خلال الأيام القليلة الماضية، التي اخترقت الأسبوع الماضي وصولاً إلى الأسبوع الحالي، يمكن رصد كمّ المقالات التي تناولت الحكم القضائي الصادر بحل المجلس العلمائي. البعض اعتبر أن هذا الحكم انتصاراً للوطن طال انتظاره، وأنه يعيد الهيبة للدولة كون المجلس لم يلتزم منذ تأسس بالقوانين المنظمة للمؤسسات والكيانات، كما أنه – بحسب بيان وزارة العدل والشؤون الإسلامية والأوقاف الصادر يوم الثلاثاء الماضي – كان يسعى لتنفيذ مشروع ولاية الفقيه في البحرين. والبعض الآخر اعتبر الحكم القضائي كارثة وانحرافاً في سير العملية السياسية التي كان يؤمّل التوصّل إليها وأنها مجرد تعقيد جديد للأوضاع بغية نسف الحوار المتعثر، ووضع العصيّ في عجلاته.
وإن كان ليس من شأن هذه الزاوية الغوص في الأحكام القضائية، إذ سبق وأعلنت أهمية الاحتفاظ بالاحترام العالي للقضاء لأن التشكيك في أحكامه وتمييلها مع ما تريده الأطراف، وانتقادهم لأحكامه إن لم تأت على أهوائهم وما يطمحون؛ فإن مراجعة المسألة الدينية السياسية بشكل عام، باتت من الأهمية بمكان حتى نتجه إلى الدولة المدنية التي نتغنى بها من دون أن نسعى سعياً حقيقياً وجاداً إليها، فشكلت بذلك ما يشبه “بيض الصعو” الذي نسمع به ولا نراه.
والسبب في استحالة رؤية بيض الصعو، يأتي من أن الصعو عند العرب هو الطائر الصغير الذي لم يبلغ، فمن أين له أن يبيض. وكذا الأمر بالنسبة للكثير من المشتغلين في السياسة من قريب أو بعيد، فإنهم يطالبون بالدولة المدنية، ولكن بمسوح ديني لا يمكن التنكر له، والمسألة لا تتعلق هنا بالمجلس العلمائي المنحل وحده، ولكن أيضاً بالطرف الديني السياسي الآخر الذي يمارس الأدوار نفسها تقريباً، ولكن بشكل آخر.
فمنذ تراجع التيارات الليبرالية واليسارية والقومية والبعثية وغيرها من التيارات السياسية التي كانت نشطة حتى فترة معينة من العقد السابع من القرن السابق، فإن التيارات الدينية، بشقّيها الخيري الدعوي، والسياسي، بدأت في التنامي لتسد الفراغ الذي خلفه الانسحاب الطبيعي للتيارات الأخرى. وأقول الطبيعي لأن هناك الكثير من العوامل التي حاقت بتلك التيارات وجعلتها تجمد عند محطات معينة بينما الزمن كان يسير إلى الأمام، فما عاد لها التأثير والقاعدة الشعبية التي كانت تستند إليها فيما مضى تأسيساً على الشبيبة الذين استقطبهم في الوقت نفسه التيار الديني الجديد في البحرين أو المنطقة بأسرها، وفتحت الأبواب على مصراعيها لمنتسبيها، وبدأت جميع مفاصل الحياة العامة تلين لهذا التيار الذي لم يكن ليريد إلا التربية الحسنة في بداياته، والرجوع بالدين إلى أصوله كما يراها.
إلا أن نجاح الثورة الإيرانية بقيادة رجال الدين، وكذلك الحركات التي بدأت تقودها مجموعات إسلامية في أكثر من بلد عربي وإسلامي، والسيطرة الكبرى على الأجواء العامة للمجتمعات، قادت جميعها لأن يركب رجال الدين، من التيارين الإسلاميين الأساسيين، موجة العمل السياسي بذريعة أن لا فصل بين الدين والسياسة من جهة، وأن الغايات النهائية من الحراك الديني هو الحكم بشرع الله كما هو متصوّر، حتى إن تم تأجيل هذه النقطة لدى البعض إلى حين، ولكن سيكون لا معنى لكل هذا الحراك والجهد إلا ان يتم تطبيق شرع الله بحذافيره في جميع مناحي الحياة. كما أن رجل الدين – في رأي المؤمنين بهذا الطرح – إنسان ومواطن ومن حقه أن يدعو إلى الطريقة التي يؤمن بها في تسيير أمور الحياة، والحياة لن تسير إلا بوجود هيكل متكامل من المؤمنين بهذا الفكر.
ولست هنا في وارد المفاضلة بين التيارات السياسية أيها أصلح وأنفع للحكم، ولكن ما يتوصل إليه فهمي القاصر، هو أن قيادة رجال الدين للعمل السياسي كفيل بتقييد العمل السياسي في محددات لا يمكن التبرؤ منها، أو الخروج عليها، أو التنكر لها. لأن الفكر الديني – بشكل عام – لا ينسجم مع التعددية التي تتطلبها الديمقراطية التي فرضت شرائطها على مستوى العالم. ولا يمكن لمن نشأ على أنه يسير على الطريق الصحيح دينياً ومذهبياً، أن يتعاطى بانفتاح تام مع مخالفيه في المذهب، ناهيك عن مخالفيه في الديانة، والأمر نفسه ينطبق على التيارات الفكرية غير الدينية. فالمازج بين القناعات الدينية والعمل السياسي ليس له إلا أن يمرر جميع المسائل التي تعنّ له على موازين ما يؤمن به. فإن كان في أساس معتقده أن الطرف الآخر “كافر” أو – على أقل المعايير – “فاسد العقيدة”، فكيف يسمح له دينه أن يمكّنه من تولي الحكم أو المنصب أو أي موقع يمكنه من خلاله السيطرة أو التغيير، من خلال منافسة ديمقراطية مفتوحة؟! وكيف يعتذر لدينه إن هو أخلى “ثغراً” من ثغور المسلمين لغيره، وإن كان من المسلمين أيضاً، ولكن بينهما خلاف عقدي، أو ربما ينظر إليه على أنه ليس مسلماً من الأساس؟! وماذا سيفعل بأطنان الكتب والمرويات والحجج والبراهين التي درج عليها، والتي من خلالها بزغ نجمه في مجاله، وذاع صيته بين أتباعه، التي تشير إلى أن طريقه هو الطريق الوحيد الموصل للجنة وأما الآخرون فهم الفرق الضالة التي مصيرها النار وبئس القرار؟! هل سيكون “متنوراً” كما يشاع في التسميات والألقاب، ناعماً ولكن بلبوس ديني لا يُخطئ؟.
إن ما تقدم لا يعني أن أحزابنا وتياراتنا الفكرية أقل تشدداً وصرامة في نظرتها للآخر، ولكن تركيبتنا العربية تشير إلى أن الدين/المذهب يأتي كقاعدة أساسية للسواد الأعظم من الناس، ومن بعده تأتي طبقات تكوينية أخرى ومنها التوجه السياسي والفكري، وهذه الأمور من الممكن أن يجري التعاطي معها على صعيد الأخذ والرد، والتغيير والتفنيد، والتحالفات حتى مع أعداء الأمس التاريخيين لفترة ما، ولكن نماذجنا تجعل من القاعدة العميقة في التكوين هي البارزة على السطح، وبالتالي لا يمكن فهم أي خلاف سياسي إلا من خلال المنخل الديني، وهذا ما هو حادث في العراق اليوم وفي لبنان، وهذا ما يُعيد فكرة “الدولة المدنية” ليحيلها إلى “الدولة الدينية”، التي يأمر فيها شيخ الدين فيطاع لأنه الأقرب إلى فهم الشرع وكتاب الله.