العدد 1934
الخميس 30 يناير 2014
هذا “الآخر”.. اللغز الذي لا نعرفه غسان الشهابي
غسان الشهابي
ذرائع
الخميس 30 يناير 2014

في تسعينات القرن الماضي، صحا لديّ حنين لقراءة الصحافة المصرية من جديد، بعد أن كانت هذه العلاقة تعود إلى مطلع السبعينات عندما أدمنت تصفح مجلات احتفظ بها والدي عن وفاة الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، وجنازته، منها “المصور” و”آخر ساعة” وغيرها من المجلات المصرية التي وثقت هذا الحدث الكبير الذي هزّ الأمة العربية من أقصاها إلى أقصاها. فكنت أحرص على اقتناء صحيفة ومجلة كلما توفر لي الوقت.
في ذلك الوقت، لاحظت مندهشاً كمّ الهجوم اللاذع والكاسح، والمفتقد للبواعث أساساً (وربما كنت مخطئاً) على جماعة الإخوان المسلمين هناك، ورب كل آثام مصر وإخفاقاتها وانحرافاتها وتطرفها وكل ما هو سيء بهذه الجماعة. ورغم أنني لست منتمياً ولا متعاطفاً فكراً مع جماعة الإخوان المسلمين، إلا أن هذا الهجوم الكاسح والماسح للعقل والمنطق كان يثير التقزز والاستفزاز غير المبرر. إذ اعتقد القائمون على الإعلام الرسمي وشبه الرسمي، وهم لاشك مخطئون، أنهم بهذا التركيز الممنهج والمبرمج إنما يصدّون الناس عن هذه الجماعة المحظورة آنذاك، وأنهم كلما ألجأوها إلى الزاوية وكالوا لها اللكمات ضعفت وانفضّ عنها الناس، إما إيماناً بأنها منبع الشرور، وإما خشية على أنفسهم فيما لو تعاطفوا معها، وساروا في ركابها.
أثبتت الحوادث والوقائع بعد ذلك بأكثر من عشرين عاماً، أن هذه الهجمات الإعلامية، والطريقة ربما رغّبت أناساً أكثر في هذه الجماعة، وأنها زادت من تكتل أعضائها على أنفسهم، وأصبحت نواتهم أكثر صلابة من ذي قبل، وربما أيضاً أصبحت أكثر “شراسة” في الدفاع عن معتقداتها السياسية والدينية، ولديها من الشواهد القرآنية والسنة النبوية ما يؤيّد ما يذهبون إليه عندما يشيرون إلى أن الإسلام “بدأ غريباً وسيعود غريباً فطوبى للغرباء”، وأن الممسك بدينه في آخر الزمان كالممسك بالجمرة، وسلسلة طويلة من الأحاديث، والمواقف والقصص التي تثبت صواب ما يذهبون إليه، وسوء ما يعاملهم به الآخرون. وتبدّت هذه القوة والكتلة الصلبة في الانتخابات المتتالية التي أعقبت ثورة 25 يناير المصرية، إذ فاز تكتلهم بالانتخابات جميعاً، وفشلت الأحزاب الأخرى المناوئة لهم، وذهبت ريحهم، مع أنهم جميعاً كانوا يشيرون إلى “خطر الإخوان” في الفوز والسيطرة والإقصاء، وهي تتعلق بتفسيرات يمكن أن يطول الأخذ والردّ فيها.
أسترجع هذا كله وأنا أقلب بعضاً من صحفنا المحلية اليومية، وهي تتناول موضوع الحوار الوطني ومواقف الأطراف المختلفة منه، ومن يريد أن ينجح الحوار ومن يريد أن يفسده، ومن هم قلوبهم على الوطن ومن هم يريدون الانحراف بالوطن والانجراف به إلى مهاوي الردى. البعض يتخذ الإشارة والتلميح طريقاً، والبعض يصرّح تصريحاً، بل ويزيد على ذلك برمي من لا يتفق معه بأقذع الألفاظ التي يُستغرب مرورها مع أنها إن لم تخترق قانون الصحافة والنشر رقم (47) للعام 2002، فإنها على الأقل من غير المقبول واللائق التصريح بها هكذا وبمجانية مفرطة.
ومن دون الدخول في التفسيرات السيئة للنوايا، فإنه لاشك أبداً من صدق شعور غالبية الكتاب، واطمئنانهم إلى ما يكتبون، وأنهم، في الغالب الأعم، ليسوا مأجورين ولا تابعين عُمياناً لقوى تسيّرهم وتسيطر عليهم، إلا أن ما يفرطون به من حماس منعكس على مقالاتهم في إلباس الطرف المخالف لهم كل سيئات وسلبيات المرحلة، ورمي كل الأقذار في حاوياته ليبدو أنه مصدر الروائح المزكمة للأنوف الوطنية، وأنه لولاهم لكانت البلاد في خير عميم؛ فإن هذا كله يقودنا بالقياس (وإن كان القياس لا يؤخذ به في بعض المذاهب الفقهية) إلى حصول ما حصل في السابق مع إخوان مصر وصحافتها وإعلامها أيضاً المتمثل في الأعمال الدرامية والسينمائية الكثيرة التي عالجت بخفة وسطحية بالغة في الكثير من الأحيان مواضيع التطرف والإرهاب وربطه بجملة من الأسباب الفرعية من دون الإشارة علناً إلى الأسباب الرئيسية الواضحة التي أدت إلى انتهاج التطرف سبيلاً بدلاً من التحاور. إذ إن في اللوم إغراء كما قال أبونواس، وفي التعاطي غير العلمي وغير العقلي مع “المختلف” تكتيل له ولأتباعه وليس تفتيتاً أو تليينا لمواقفه. فكلما زادت الهجمة حدة وشراسة وقوة، كلما التجأ الطرف المهاجَم إلى دروعه التي بها يتّقي الهجمات، ليزداد إيماناً بأنه لو لم يكن على الحق لما تكالبت عليه الأمم كما تتكالب الأكلة على قصعتها!
الأخطر من هذا كله، إن الحوارات بين الأمم، أو الحضارات، أو الأديان، تنطلق جميعها من ثنائية الداخل والخارج، نحن وهم، وتقوم على المغالبة، وقد لا تصل إلى نتيجة، وهذا أمر ليس بالمحبّذ، ولكنه في أول الأمر وآخره، يمكن أن يؤجَّل إلى جولات أخرى، ولكن أن نعمل السكاكين في بعضنا البعض لاختلافنا في الرؤى وكأننا لن نرى بعضنا في الشارع، ولن نجلس أبداً على كراسي متجاورة في الأعمال، ولن نتشارك فصلاً دراسياً واحداً، ولن نستخدم الشارع نفسه أبداً، ولن ننتظر دورنا في كرسيين متقاربين حتى تتداخل بينهما أنفاسنا في مستوصف صحي، ولن نقف يوماً لنشتري سمكاً من السوق المركزي، ونشجع معاً منتخبنا الوطني، ولن نتشارك في الشكوى من حرّ الصيف، وقرّ الشتاء، وارتفاع الفواتير، والاستياء من الديون.. فهذا قصر نظر عظيم، لأن من يفعل ذلك إما أنه منفصل عن المجتمع، وإما أنه مكتنز بالتوحد مع فكره وجماعته لا يرى نفسه إلا في حدودهم، وبالتالي فإن كل ما يحدث خارج هذا الإطار لا يعني له شيئاً، والأفضل أن تحدث أشياء سيئة خارج إطاره، أو أن يصحو من النوم ويكون الله تعالى قد أرسل على من هم خارج حدود انتمائه الأولي، ما أرسله على عاد وثمود وقوم تبّع، وهكذا يكون قد بلغ المنى بالرضا، واستراح من التقزز اليومي الذي يثقله ويفسد عليه حياته.
يمكن إقفال هذه المساحة من الكلام، بأن حصاد المستقبل هو نتاج زرع اليوم، فلننظر إلى ما نزرع، وبأية مياه نسقي.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية