العدد 1931
الإثنين 27 يناير 2014
بواعث المارشال لا تزال قائمة غسان الشهابي
غسان الشهابي
ذرائع
الإثنين 27 يناير 2014

ما أذاعته وأشاعته (من الشيوع وليس الإشاعة) الصحف المحلية الصادرة يوم السبت الماضي، كان فيه من المعلومات التي تستدرج اليأس والغضب في آن معاً، وهو ما يتعلق بالدعم الخليجي، أو المسمى تجاوزاً بـ “المارشال الخليجي”، والذي يمرّ اليوم قريباً من عامه الثالث من دون أن تحرك المليارات التي تم إقرارها ما يمكن أن يشار إليه، أو يُشعر به، وهذا كان الأساس الذي دعا دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية أن تبادر بهذا المشروع الداعم للدول الأقل دخلاً في المنظومة، وهما البحرين وعمان، من أجل النهوض بعدد من المشاريع التي تمسّ المواطن مباشرة في هذين البلدين تحديداً. ولماذا تحديداً هذان البلدان؟.
إذا ما استعدنا تسلسل الأحداث التي أدت إلى اتخاذ هذه الخطوة من قبل الدول الأعضاء في المنظومة الخليجية، فإننا لابد أن نستذكر أن الأحداث التي استتبعت “الربيع العربي”، والتي بدأت موجاتها تنداح من تونس إلى مصر، متجهة غرباً إلى الجزائر والمغرب، وشرقاً إلى سوريا والبحرين وجنوباً إلى اليمن وعمان، فإن مجلس التعاون حينها تدارس الأوضاع التي أدت إلى حدوث هذه القلاقل في هذه الدول، وتوصل – فيما توصل إليه من أسباب – إلى أن الجوانب الحياتية للمواطن في الدول التي حدثت فيها القلاقل والمشاكل والاضطرابات السياسية، كان واحداً منها المشاريع والبنى التحتية التي لا تلبي احتياجاته، والتي تأخرت كثيراً في بعض الدول، والتي تجعلها تتفاعل مع الكثير من العوامل الأخرى، السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وغيرها من العوامل التي تشجع على أن تكون هناك أرضيات قابلة للزعزعة، ومحدثة انفلاتاً أمنياً، كبيراً كان أم صغيراً، ممتداً كان أم محدوداً، عنيفاً كان أم لطيفاً. وبالتالي، فلابد من أن تكون هناك حركة سريعة من أجل الإحاطة بهذا السبب تحديداً، لأن الأسباب الاجتماعية والسياسية لابد من معالجتها داخلياً، فلا سبيل للتدخل في الشؤون الداخلية للدول الأعضاء لأن هذا يتنافى مع سياق ما تعلنه الدول الأعضاء من خطوط حمر في سياستها الخارجية، ومن بينها التدخل في الشؤون الداخلية لأية دولة كانت.
وإذا كان مشروع الجنرال الأميركي مارشال قد أتى بعد سنوات قليلة من انتهاء الحرب العالمية الثانية، من أجل مساعدة الدول الأوروبية الغربية لتقف من جديد على قدميها بعد أن شلّت الحرب والدمار الهائل جداً هذه الدول على أن تنهض من جديد، لتكون مساندة للولايات المتحدة التي تفردت، شاءت أم أبت، خططت أم لم تخطط، بقيادة العالم، وبعدما أعلن الاتحاد السوفيتي صراحة في العام 1949 تبنّيه للنظام الشيوعي، فلم يكن هناك من خيار للحفاظ على الفكر الليبرالي وتقويته سوى مساعدة الدول المتصدّعة على أن تعيد تحريك عجلات الإنتاج فيها، والعودة إلى الحياة الطبيعية، ولتكون سدّاً منيعاً أمام التمدد الشيوعي الذي التهم النصف الشرقي من القارة العجوز. إذا كانت كل هذه الأسباب الرئيسة هي ما حرّك مشروع “مارشال” قبل ما يزيد عن ستين عاماً؛ فإن إطلاق لقب “مارشال” على برنامج المساعدات الخليجية لعدد من الدول الخليجية، يقترب ويبتعد عن هذه الأسباب.
فالدول الخليجية لم تودّ أن ترى أيّاً من أعضائها يتعرض للقلاقل التي تعرضت لها دول عربية لم تعد – بفضل التطورات الكبيرة جداً في وسائل الإعلام - بعيدة عن عين الحدث. فالدروس التي جرى استيعابها على عجل تشير إلى أهمية إطفاء النيران في مكانها بدلاً من مكافحتها عندما تمتد إلى أرضي. وإذا كانت الأحداث الدراماتيكية التي حدثت، وبسرعة هائلة في تونس ومصر كانت أسرع من أن يجري تلافيها ومعالجتها، خصوصاً مع عدد من الممارسات الخاطئة في إدارة الأزمة؛ فكان لابد من تحصين الإقليم حتى لا تخترقه هذه الأحداث كما حصل في الدول العربية الأخرى، وذلك بسحب خيط الخدمات الأساسية، والبنية التحتية.
وتسعف الذاكرة أيضاً ما كان يتردد في وسائل الإعلام المتعددة عن مشروع الدعم/المارشال، الذي يراه البعض من المتفائلين قريباً، وعلى العكس يراه المتشائمون بعيداً، وكم من مشروع حيوي، أو شبه حيوي قيل إنه سيتم تمويله من قبل مشروع الدعم، وكم من مشروع تم تعليقه على وصول الدعم، وها هي الجهات – بحسب ما تم نشره في الصحف الصادرة يوم السبت الماضي – قد أعدّت ملفاتها ومشاريعها ورفعت أوانيها في انتظار قطار المساعدات، ولكن القطار تأخر فقط ثلاث سنوات منذ إقراره إلى اليوم والأسباب مختلفة، والمبررات كثيرة... والأواني فارغة!
إن كانت الأسباب الواردة مسبقا صحيحة كما جرى الحدس بها؛ فإن انحسار الأحداث الأمنية في الكثير من الدول عما بدا عليه الوضع في الربع الأول من العام 2011، فإن الأسباب لمّا تزل قائمة، وإذا ما كانت الدول المانحة قلقة على ما كان يجوس في المجتمعات الخليجية، فإن تراجع الحراك الشعبي يشهد تحولات كثيرة على أكثر من مستوى، ولكن الأسباب والمسببات التي قادت إليه لا تزال قائمة، ولا تزال هذه الأسباب – والحياتية منها على وجه الخصوص – تراوح مكانها، لا بل تسير إلى الوراء بفعل التراكم العددي، والاستهلاك الزمني من دون القدرة على التجديد الكامل للبنى التحتية المهترئة في بعض مفاصلها.
إن الذاكرة تعمل من جديد وهي تسترجع خطاب الاجتماع الأول من تجمّع “الفاتح” حيث لم تخرج المطالب التي قيلت من على تلك المنصة، في الشؤون الحياتية والخدمية، عن تلك التي قيلت من على منصّة “الدوار” في الشأن نفسه، ما يعني وجود اتفاق وتوافق – ولو أولي – على الكثير من القضايا الملحّة التي تهم المواطن مباشرة.
إن الأمل ليحدونا أن لا تكون فكرة برنامج المساعدة مقتصرة على أن “المار...شال عليه”، وأنه كمسكّن ألم الصداع، فمتى ما انقطع الألم لم تعد هناك حاجة للمسكنات، لأن هنا جانب واحد فقط من الجوانب التي تحتاج إلى الجراحة وليس إلى أقراص المسكنات.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية