العدد 1882
الإثنين 09 ديسمبر 2013
فقر الدم الصحافي غسان الشهابي
غسان الشهابي
ذرائع
الإثنين 09 ديسمبر 2013

في التصريح الأخير الذي أدلت به وزيرة شؤون الإعلام سميرة بنت رجب عن معاناتها كوزيرة إعلام من مخرجات الإعلام التي أرهقتها كوزيرة في البحث عن إعلاميين وصحافيين مؤهلين تأهيلاً عالياً، يفتح الأبواب مرة من بعد مرة على وضع الصحافيين في البحرين، وتكوينهم العلمي، ومدى جديتهم، والكثير من العوامل التي تؤدي إلى هذا الفقر الذي تشير إليه الوزيرة.
وفي إحدى الصحف المحلية التي قرأتها وأنا في الخارج – والأرجح أن التصريح نفسه ورد في بقية الصحف المحلية – ان هناك مطالب لإنشاء كلية إعلام تعنى بالمناهج الإعلامية بشكل جيد. وهذا مطلب جيد إن لم يكن تمهيداً لما سمعنا عنه وهو إنشاء أكاديمية إعلامية تابعة للهيئة، وهو ما لا يتفق مع توجهات الدولة بأن تقل المظلات التي تضم الهيئات والمؤسسات والأكاديميات والمعاهد، ويتقلص عددها، وتخضع لمعايير محددة وواضحة في مراقبة ما تقدمه للجمهور من خدمات. ومع ذلك نقول إن الأمر ليس في الزيادة، فكما قال الشاعر العراقي أحمد مطر “وليس من عافية أن يكبر الورم”، فكثرة المؤسسات لا تعني الجودة بالضرورة، لأن هناك الكثير من التجارب التي ابتدأت بطموحات عالية، وآلت إلى ما آل إليه غيرها من المؤسسات التي سبق أن انتقدتها، ذلك لأنها لم تقرأ المشهد القراءة الكاملة، وضللها الوهم بأن الأمر ليس إلا ضربة ساحر، ينقلب الجاهل عالماً، والمبتدئ خبيراً. فالهيئة سبق لها أن نظمت عشرات الورش الفنية والتخصصية للإعلاميين والصحافيين، فهل أغنت هذه الورش شيئاً، وهل زال “فقر الدم المعرفي” عنهم، وهبْ أن الجامعة الوطنية (كما ذكر الخبر) والجامعات الأخرى مجتمعة لم تتمكن من إنتاج جيل إعلامي معافى، فما الذي يمكن أن تفعله كلية واحدة (أكاديمية) في هذا الصدد؟.
إن هذه الدعوة، وهي دعوة حق في الأول والأخير، ولا أعتقد أن أحداً سيختلف في أهمية تطوير العملية التعليمية التعلمية في صالح أي قطاع كان، تذكرني بالحلول التي يقترحها المسؤولون بعد أن يتركوا مناصبهم، أو تتركهم هذه المناصب. إذ يصبحوا فجأة منظرين ومشخصين للداء، وواصفين للدواء، يجبرون كل كسر، ويعقمون كل انحراف، والسؤال: ألم تمنحوا الفرصة عندما كنتم مسؤولين فلم لم تفعلوا ما تدعون إليه؟ وإن احتجّ هؤلاء بالإمكانيات والتقييد والبيروقراطية، فهل ستضمنون أن الوضع الذي تدعون إليه سيكون أفضل حالاً مما خبرتموه؟ وإذا كانت هناك قيود وحواجز في طريق تطبيقكم ما كنتم تحلمون به، ألم تكن الاستقالة والاعتذار عن تحمل المسؤولية المقيدة هي الطريقة الأفضل، والنهج الأقوم حتى لا تتحملوا المسؤولية التاريخية عن تبعات ما يحدث تالياً؟.
الحديث عن كلية، أكاديمية، جامعة، أو أي شكل من أشكال التعليم العالي لن تحل مشكلة متغلغلة لها جذور عميقة. إنها أشبه بنقل التجارب العالمية في مجالات معينة من التعليم والتدريب والتقانة وغيرها، بشكل اجتزائي مقتطع من سياقه الذي نشأ فيه وكبر وتعمّق. فالكثير من العوامل المرتبطة ببعضها هي التي تعطي لوناً ونكهة لما تنتجه، لا أن يجري اجتلاب عناصر من الخارج، أهلاً وسهلاً بها ولكن ليس على حساب أبناء الوطن الذين منحوا البحرين طعمها وسمعتها الطيبة، والبسيطة ربما، والتي صارت بها معروفة في كل مكان.
فالصحافيون في البحرين لم ينشئوا كل هذه الصحف وفق الإمكانات الفقيرة التي لا تصل فيها رؤوس أموال الصحف إلى أكثر من مليوني دينار في أحسن الأحوال، ومع قدرات بسيطة لا تكاد تذكر أو تقارن بالصحف التي تقود الإعلام التقليدي لا تزال في المنطقة، ويُطلب منهم الكثير من خلال الضغط الإعلاني المتآكل في السنوات الأخيرة، والهجرة إلى الصحافة الإلكترونية إذا ما أرادوا أن يقرأوا، والحملات تلو الحملات التي تهدف إلى إقصاء الصحافيين “المكلفين” ذوي الخبرات المتقدمة والمعقولة، ومن البحرينيين أيضاً، والاستعاضة عنهم بصحافيين شبان يبتدئون للتو مشوارهم المهني، لأنهم فقط أرخص، وأحيانا الاستعانة بطلبة الجامعات (وليس في هذا عيب) ولكن المؤسسات الصحافية تصاب بلفحة برد، لأنها بسهولة تركت أبوابها مفتوحة من دون “كلاب حراسة” (تعبير مستعار من اللغة الإنجليزية مع الاعتذار والإجلال لزملائنا وأساتذتنا)، فصارت الرياح الباردة والساخنة إن هبّت أصابت أطراف الصحف، إما بالبرودة المفرطة، أو بالحمّى وبعض الحمّى قاتل، فمن أين يمكن أن يستقيم الظل والعود أعوج. ولكن – ويا للعجب – إنهم مواطنون، عملوا، وعملت معهم الوزيرة (وإن كان ذلك عن بعد)، فما بالهم اليوم باتوا لا يصلحون.
الإعلاميون غير المؤهلين هم أنفسهم الذين يشرفونا غالباً في المحطات التلفزيونية والإذاعية الخارجية، وأقول غالباً لأن قامات الإعلاميين ليست سواء، وهم أنفسهم الذين صاروا قيادات في مواقعهم الجديدة، وذلك بعد أن مارسوا وخبروا العمل الإعلامي هنا، وأثبتوا قدراتهم هناك، ولا يرومون الرجوع اليوم إلى أجهزتنا، لا أدري لماذا حقيقة، ولكنهم سفراء يطيب لنا أن نشير إليهم بفرح طفولي ونقول: “بحريني/ة”!.
صحافيون بحرينيون يسببون المعاناة للهيئة لضحالتهم، وعدم تأهيلهم التأهيل المطلوب بحسب مقاييس معينة لا ندري ما هي، ولكنهم منافسون حقيقيون مع آلاف مؤلفة من الصحافيين العرب، والأجانب أيضاً في مجال الجوائز الصحافية والمسابقات، يزاحمون بالمناكب والأقدام، ويفوزون أحياناً في تلك الملتقيات، ويشاد بتجاربهم على الرغم من كل أوجه القصور المؤسسية والرسمية وقانون الصحافة الذي لا يزال يلوح به لإحالتهم إلى قانون العقوبات فيما لو اصطدم الصحافي مع المصالح السياسية أو المالية، وعلى الرغم من وجود مسؤولين رسميين يتصلون منذ الصباح الباكر بمسؤولي الصحف، تضيق صدورهم بأي نقد شفيف ومؤدب لبعض أعمالهم، وأحياناً لأمور خارجة عن إرادتهم، واليوم لم يعودوا يصلحوا لشيء، ولا أن يرفعوا من اسم أية مؤسسة يعملون فيها، ولا يمكن الاعتماد عليهم.
أنا واحد من الذين سيقولون “سلاماً”.. فسلامٌ عليكم أيها الزملاء.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .