عندما قرأت عنواناً في إحدى الصحف المحلية في ديسمبر من العام 2006 “سقط المطر وانكشف المستور”، وذلك بعد يومين من المطر الغزير والمتواصل على البحرين والذي صادف العيد الوطني، شعرت حينها أن هذا العنوان “مبتذل” للغاية، لكثرة ما تكرر سنوات وسنوات. و”انكشاف المستور” هو أيضاً ما عنونت به صحفنا المحلية الأسبوع الماضي بعدما هطلت علينا كمية “محترمة” من الأمطار بمقاييسنا المحلية المتواضعة، وحمدنا الله تعالى مرات ومرات لأننا لم نتعرض لما تعرضت له عديد من الدول الخليجية الأخرى من أمطار غزيرة كشفت عن فضائح لا يمكن سترها في بعض المناطق والمنشآت العامة.
فحتى صبيحة يوم الثلاثاء الماضي “بلغت كمية الأمطار التي هطلت 13.5 ملليمترا” بحسب إحدى صحفنا، وهذه تعتبر واحدة من المفاجآت الكبرى بالنسبة لنا، لأن “متوسط الأمطار لشهر نوفمبر يبلغ 3.8 ملليمترات في حين أعلى كمية هطول للأمطار سجلت لهذا الشهر كانت 101.6 ملليمتر وذلك في سنة 1997 في حين كانت أعلى نسبة هطول يومي بلغت 57.6 ملليمترا وذلك في 19 نوفمبر 2000 وقد صاحبتها هبات بلغت 62 عقدة” كما أوردته الصحيفة المحلية نفسها. وفي كل مرة من المرات، وكل “هبّة” من الهبّات، وبعيد كل مطرة غزيرة تنكشف المساتير من الأمور!.
في العام 1997، أي قبل ستة عشر عاماً، وكأنني لا أزال أرى هذا الموقف شديد الوضوح في ذاكرتي، إذ كنا نجري تغطيات محلية عن الأمطار التي “باغتتنا”، فاتصلت بوزير الأشغال الحالي المهندس عصام خلف، وسعدت – بقدر ما استغربت – لأنه بنفسه ردّ عليّ في ذلك الظرف العصيب، وكعهدي به دوماً، متعاوناً جداً ودمثاً، فشرح لي بما أتاحه له الوقت في حين أن البحرين كانت “تترجرج”، فقال – بما فحواه – إن هناك أولويات أمام الوزارة تتمثل في إنشاء شبكة المجاري لتشمل البحرين بأسرها، وهذه الأولوية بالنسبة للوزارة وما أعطيته من موازنة. أما مصارف الأمطار فإنها ليست أولوية كون الأمطار شحيحة في البحرين، وبالتالي، فإن اقتطاع جزء من موازنة المجاري لشبكة تصريف مياه الأمطار يعتبر ترفاً وغير ذي أولوية.
وهذا الكلام لا يمكن الاختلاف معه، لأن بعضنا يجري مقارنة ظالمة بأننا من “رشة” مطر نغرق وتتحول شوارعنا – لاسيما الداخلية منها – إلى مستنقعات لبضعة أيام، بينما الأمطار لا تتوقف عن الهطول في تايلند (مثلاً) ولا تجد للمستنقعات مكاناً! هذا الكلام، أو هذه المقارنة، ينقصها مقارنة أخرى، وهي أن معدل سقوط الأمطار في البحرين يصل إلى 74 ملليمترا سنوياً، بينما المعدل نفسه في تايلند 1500 ملليمتر، ومع أن طبيعة الأرض التايلندية وغيرها من الأراضي المطيرة تختلف عن طبيعة أرضنا، فتلك تشرب سريعاً، بينما أرضنا “تشرق” بجرعة مطر زائدة، فهناك أيضاً جدوى لدى الحكومة التايلندية في منح الأولوية لتصريف مياه الأمطار التي تكاد لا تنقطع، بينما لو توجهت وزارة أشغالنا هذا الاتجاه لما سلمت من نقد كبير على اعتبار أنها أضاعت البوصلة، وضيّعت الطريق وهي المسؤول الأول والأخير عن الطرق.
غير أن هذا لا يعني أن يمرّ المطر من دون أن نتوقف لنتساءل: آمنا وصدّقنا أننا لن نعيد حفر الشوارع برمتها لتمديد شبكات تصريف الأمطار، ولكن ما حال الشوارع الجديدة التي بقينا سنوات نتزاحم للمرور من نصفها لأن نصفها الآخر محفور للصيانة والتجديد، ألم يكن من الأجدى أن تزوّد أولاً بما يمكنه ابتلاع الماء مادام العمل فيها قائماً؟ وما بال “البؤر” التي لا يجري الالتفات إليها، والتي تتجمع فيها الأمطار موسمياً فتشكل بركاً متوقعة، ومستنقعات تبقى في الذاكرة حتى لو كنتَ في منزلك لا تزال؟ نعم، لا يمكن حل جميع هذه المشاكل دفعة واحدة، فلم لا تحل واحدة بعد الأخرى مثلاً حتى لا نبقى في كل عام نشكو الشكوى ذاتها، وحتى يتم إفساد هذا الموضوع على الصحافة، نكاية بها، والله إن الصحافة لتقبل هذا النوع من النكاية، لو أن هذه المشكلة تراجعت جوهرياً، وليس بفعل زيادة الصهاريج الشافطة للماء، والتي تستنفر عن بكرة أبيها في محاولة لتخفيف حجم المشكلة. حسنٌ، لا نريد أن يستقيل أي مسؤول، فالحمد لله لم تصل - إلى الآن - الأمور لدينا إلى كوارث. فالاستقالة – على قدر ما هي اعتراف شجاع من قبل المسؤول بتحمّل المسؤولية كاملة عن أي إخفاق في نطاق عمله – لن تحل معضلة مؤقتة وهي في الوقت نفسه محرجة لبلد يكافح من أجل أن يتشبث بخرائط الجذب، بينما دول أخرى تغدق أموالاً لا حصر لها في سبيل المضي قدماً في الترويج لنفسها، وما البنية التحتية – بكل فئاتها وأصنافها - إلا عصب هذا الترويج الواقع في مضمار شرس من جميع النواحي. كما أن استقالة مسؤول لن تكون شرطاً لكي يأتي مسؤول أكفأ منه، لأن الموازنة هي الأساس، فعلى قدر ما تتمدد، تتمدد معها المشاريع وتنتعش وتحث الخطى لكي يكون المقبل يقف على بنية وأرضية صلبة.
إننا لا نتحدث عن “مستور” يبقى سنين طويلة مستتراً، فيجري اكتشافه فجأة، كما حدث في جدّة قبل سنوات قليلة، فهو أمر لم يجر من قبل وفاجأ الكثيرين من الناس لوقوعه لعدد من الأسباب من الصعوبة بمكان التطرق إليها هنا؛ ولكننا نتحدث عن أمر معلوم للجميع و”مكشوف”، يأتينا سنوياً، نحتفي به كلٌّ على طريقة، واحتفاء الصحافة به لن يعدو جملة من الصور و”انكشف المستور”!.