العدد 1864
الخميس 21 نوفمبر 2013
كُتاب الأسر الاختياري غسان الشهابي
غسان الشهابي
ذرائع
الخميس 21 نوفمبر 2013

 انتابني الحزن - حقيقة - وأنا أقرأ لأحد الزملاء الكتاب منذ أيام عبارة يقول فيها (ما معناه) إنه سيظل يترصد لمناوئيه الفكريين والمذهبيين، إنه سيظل لهم بالمرصاد كلمة كلمة، وفعلة فعلة، أو كما قال. وعلمتنا التجارب أن لا نبخس أحداً، ونتحرّج في التأطير والتصنيف وإلقاء النعوت مجانا، وبالتالي، لا يمكنني إلا أن أنحاز إلى صدق عميق في الموقف ينطلق منه هذا الزميل، وأتفهم إيمانه المطلق بما يقوله، هذا على الرغم من اختلافي معه في الفكرة والمنهج، ولكن التجارب البشرية تقول إنه لا يمكننا أن نحمل الناس على ما نريد ونؤمن، ولا يمكننا - كبشر - أن نكون على سوية واحدة. بل إنه من الممل والداعي إلى الكآبة والبؤس أن نكون على سوية واحدة وفكر واحد وذوق واحد، ننطلق من منطلق واحد، ومبدأ واحد.. وهكذا. فيما الحياة إلا هذه الاختلافات وتناوب الفصول، وتبدّل الليل والنهار، حتى نظل نشتاق إلى ما ليس نحن فيه من أحوال. ونبقى في انتظار مقبل زائل، أو في انتظار زوال حال ليست تعجبنا.

مبعث هذا الحزن ليس اختلاف الزميل الكاتب مع ما أؤمن به من طرائق، وليس لأنه يغرق في الخصومة مع من ليس هو من صنفه أو نسيجه أو مع من هو ليس من خطه، بل لأنه نذر نفسه لهذا العمل، التتبع حذو القذة بالقذة، لما يقوم به خصومه، وإنفاق يومه، وإهدار ليله، في البحث عن الحجج والأسانيد التي تثبت (ظاهرياً) ما وجد نفسه عليه، وتدحض (ظاهرياً أيضاً) ما يؤمن به خصومه. ولو سألنا هذا الزميل، العشرات غيره من الذين انتفضوا أيما انتفاضة، والذين زالت غشاوة سياسية عن أعينهم خلال أحداث 2011، أو أولئك الذين كست أبصارهم وبصائرهم غشاوة بسبب هذه الأحداث أيضاً؛ عن سبب هذا الحماس الذي يمكن أن يخرج أيّاً منهم من عقاله، ومن رزانة عقله، ورجاحة مواقفه، ولماذا هو منذ ذلك الوقت إلى الآن وهو في حال الغليان، لأجاب – بثقة المؤمن الراسخ إيمانه بما يقول – أنه يفعل ما يفعل، ولا يقول ما يقول، ولا يشد أعصابه هكذا، إلا من أجل الوطن، حُرقة عليه، حماساً له. وإن كانت هذه الأحاسيس الصادقة – لا شك فيها ولا مزايدة عليها – تحتاج من كل واحد منا أن يقف مرات ليرى ما إذا كانت هناك طرائق أخرى لم يسلكها، وأبواب أخرى لم يطرقها في فهم ما جرى، ولا يكتفي بصوت واحد، ونهج واحد، وفكر واحد، فالمقاربات – خصوصاً عند أهل الرأي الذين تفرد لهم وسائل الإعلام مساحة ليقولوا رأيهم فيها للجمهور – لابد أن تتنوع حتى تأتي رزينة ودافعة للنقاش، لا مغلقة الباب دون رأي لا ثاني له.
فلقد سبق أن فسّر الشاعر علي الشرقاوي عبارته في 1990، إبان الغزو العراقي للكويت والقائلة “صرخة الشاعر في زمن الحرب”، بأن الإنسان عندما تباغته صفعة، فإنه لن يفلسفها، ولن يفسّرها نفسياً وعصبياً وانثروبولوجيا، وإنما سيصرخ ألماً في بادئ الأمر، ثم سيلتفت للمعرفة مصدرها، وسببها، ودوافعها. والبحرين اليوم تقترب من مرور ثلاث سنوات على ما حدث في فبراير 2011، وهو وقت أكثر من كافٍ للناس الاعتياديين، ليعملوا التفكير ويردّوا الأخطاء إلى مواقعها الصحيحة، ويعترفوا بشجاعة بما أخطأوا فيه، ويمكنهم أن يقولوا حينها إنها “صرخة الإنسان في زمن الضباب”، حيث جُنّت بوصلة كثرة من الناس، وانحرفت بهم الطرق، وانفتحت العيون على أوسع ما تكون من دون أن ترى، وغشي عدم اليقين معالم الحياة اليومية، ويمكن للأخطاء أن تتدارك، والمواقف أن تعدّل، وأن تكون هناك اعتذارات إن صلحت الاعتذارات، وتكون هناك تعويضات إن أجدت نفعاً التعويضات، ويكون هناك التقاء إن صفت القلوب. ولكن الغريب أن لا يزال البعض اليوم، وبعد مرور كل هذا الوقت، يستشعر حرارة “الكف” وكأنه نزل على خدّه للتو!.
مبعث الحزن، هو ضياع طاقات وطنية كان يمكن أن تتوجه إلى ما يمكن أن يشد من أزر المواطنين (كل المواطنين)، وتدعوهم إلى سواء السبيل، لأنه لا يمكننا – أبداً أبداً – أن نتجاهل الحقائق الساطعة والقول  لا حاجة لأيّ مكوّن من مكونات هذا الوطن الصغير، مهما صغرت. فإنه “اختبار جغرافي” أن نكون بهذا الحجم، وبهذه المحدودية، وبهذا التلاصق، حتى يجري الكشف عن قدرتنا على أن نتعايش متماسّين من دون أن نتصارع، أو نتأفف من بعضنا، فضلاً عن عدم الاعتراف المتبادل ببعضنا. وبدلاً من ذلك، فقد انحبست هذه الطاقات في فحص وتمحيص ما يقوله المختلف، والرد عليه، وهي لا تدري أنها بهذه الطريقة إنما ستظل “تابعاً” ورهينة لما يصدر عن الآخر، لأنها تصبح مع الزمن غير قادرة على أن تأتي بفكرة أصيلة، أو دعوة خلاقة، أو أن تنفض عن نفسها رداء التربّص والترصّد، لأنه الرداء الأسهل الذي ينتظر صاحبه أن يحدث شيئاً ما – خصوصاً إن كان من المناوئين – ليتم تفكيكه وتحليله (أيّاً ما كان مستوى التحليل) والتقاط ما يصلح منه للرد عليه، وتفنيده. إنه التقوّت على ما يرميه الآخرون من أفكار، وما يفصحون عنه من مواقف، وليس هذا الموقف (الترصّد والتربّص) موقف من يريدون أن يدفعوا بالناس الى التغيير ويحرّضونهم عليه.
قد يعتقد بعض الكتاب أنهم قد بنوا لأنفسهم في هذه الفترة صيتاً بمواقفهم، خصوصاً عندما كانت البحرين في عين العاصفة، وأنهم لابد أن يحافظوا على هذا “المكسب” بالاستمرار في الطريقة ذاتها من التناول. ولكن لا عاصفة تستمر إلى الأبد، وأن العين لابد أن تنفتح، حيث سيكتشفون – كما اكتشف من سبقوهم – أنهم يحاربون طواحين الهواء مرة، ويعزفون نوتةً موسيقية لا تنتمي لهذا الزمان.
صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية