“يبدو أنه من الأفضل أن لا يخرج أحدنا من بيته حتى لا يتشادد مع السواق”. عبارة قالها لي أحد المتشائمين وهو يشكو الحال من مستوى التدهور في أخلاق السائقين بشكل عام في البحرين، حيث صارت الفوضى أكثر عمومية من ذي قبل، وسائقون كثر يعتبرون أن الطريق ملكهم، وأن المساحات التي تشغلها مركباتهم هي مساحات خاصة تتنقل وإياهم أينما ذهبوا، لذا لا يمكن لأي شخص أن يحاسبهم، أو حتى يوجّه نظرهم إلى صراحة المخالفات التي يرتكبونها. قبل سنوات، كانت في صحبتي في السيارة مجموعة من الأصدقاء الخليجيين، فقمنا بجولة في شرايين المنامة، وصولاً إلى فريق العوضية الذي كان حتى ثمانينات القرن الماضي، كابوس الداخلين إلى امتحان السواقة، لكثرة تعرجاته، وضيقه في أماكن محددة، وارتفاع أغطية مجاري الصرف الصحي آنذاك. حينها التقت سيارتي بسيارة أحد القادمين في الطريق الآخر فأفسحت له المجال بشكل عفوي ليمرّ، فما كان من أحد الراكبين معي إلا أن أطلق عبارة تعجب واستحسان مشيراً إلى أن مثل هذا التصرف ما عاد معمولاً به في بلده!. بطبيعة الحال ما أنا إلا واحد من كثير من السواق الذين “يتسامحون” في الطريق، ولكن حتى قول هذا الضيف الخليجي لا يعني الكثير، فهو لا يعني إلا أننا في انحدار، وأننا في البحرين لا نزال أفضل في انحدارنا من جيراننا، لكننا أبداً لم نتقدم خطوة إلى الأمام في أخلاق الشارع، إذ شبعنا من ترداد مقولة “السياقة فن وذوق وأخلاق”، وهذه الأمور الثلاثة (الفن والذوق والأخلاق) من الأمور النسبية التي لا يمكن أن تقاس، ولا يمكن أن تتم المخالفة بسببها، لأنها ليست أكثر من “أخلاقيات” فردية لا يحاسب على تجاوزها.
لاشك أن الازدحام المروري يعتبر واحداً من أسباب “ضيق خلق” السائق، ما يجعل أعصابه تنصهر أمام كثرة الإشارات المرورية، وورش العمل التي لا تهدأ من فتح الكباري وتوسيع الطرقات، وإعادة سفلتة الطرق المسفلتة، وأعمال الصيانة، والحفر للمجاري، وكثرة الإشارات المرورية، وكلما حدّث السائق نفسه بالتحلي بالصبر لحينما ينتهي المشروع لتكون الشوارع أكثر سلاسة، يجد بعد انتهاء المشروع بداية مشروع آخر، فينقضي عمره في انتظار “الترقيعات” التي لا نهاية لها، ويبدو أمله بعيداً كل البعد عن رؤية التحويلات الإجبارية، وكأننا نعيش التخطيط يوماً بيوم!.
تقارير تقول إن نسبة الحوادث المميتة في البحرين قريبة جداً من نسبة دول أوروبا الغربية، وهي الأفضل والأقل على مستوى العالم، وهذا شيء مفرح للوهلة الأولى، مع ما لفقدان الأرواح من آلام، وانعكاسات اجتماعية واقتصادية وعاطفية على الناس؛ إلا أن الشارع البحريني (هذه المرة الشارع الإسفلت بمستخدميه وليس الرأي العام)، لم يعد بالتأكيد كما كان سابقاً، ولن يعود أيضاً إلى ما كان عليه الوضع في السابق.. وإليكم عدة نماذج أعايشها في المنطقة التي أسكنها أو تلك المناطق القريبة.
مشهد (1): “شارع الجواعة”، مجمع 205، المحرق، الساعة من الثامنة إلى الحادية عشرة ليلاً، هي الفوضى بكل عناوينها، يقف أمامك سائق، يستخدم بوق سيارته عدة مرات، حتى يأتي إليه عامل المطعم، يوصيه بما يريد، يتناقش معه، يدفع له ربما النقود، وعلى الواقفين وراءه الانتظار... ليس مهما، ليسوا مهمين، لا يهم، الأهم، أن ينتهي من طلبه أولاً، ويطمئن أن العامل فهم كل الإرشادات بأن يضيف الفلفل إلى هذه الشطيرة، ولا يستخدم شرائح الطماطم في الشاورما الأخرى، وأن يفرّق بين السندويشات كل على حدة. وإذا ما “استحى” السائق من أصوات الأبواق التي تنطلق خلفه، انزوى بسيارته جانباً تاركاً للسائقين الآخرين أن يعيدوا اختبار السواق، والتعرف على مهاراتهم في المرور بين صفّي السيارات الواقفة صفّين ذات اليمين وذات الشمال، ولا ينقص هذا المشهد الكوميديا السوداء هذا إلا أن يصفق الجمهور للسائق الذي يخرج من نفق المعادن هذا، احتفاءً بسلامته وسلامة السيارات الأخرى.
مشهد (2): الشارع نفسه، الوقت نفسه، يوقف أحدهم سيارته على ناصية الطريق، يقوم بطلب الأطعمة، يسد بذلك الشارع على من وراءه، فيضطرون إلى تجاوزه، يقابلهم من يأتون من الناحية الأخرى، يدخل السائقون في ملاحاة من يمر قبل من، تتراصّ السيارات في الجانبين، وسائق السيارة صاحبة المشكل يكون قد أرخى مسند كرسيّه إلى الوراء، رافعاً إحدى رجليه على المقود، يلقي بأكياس الطعام بكسل في الشارع من دون أن يوخزه ضميره، لا لاتساخ المكان، ولا لما تسبب فيه.. عندما تشير إلى أحدهم أن يحرك سيارته ستندم لأن أقل ما يمكن أن يصل إلى مسمعك عبارة من مثل “مو شغلك”!.
مشهد (3): شارع البسيتين القديم، في أي وقت من الليل أو النهار، عشرات من المحلات المختلفة النشاطات التجارية على جانبي الطريق الضيق، أطفال لا يتجاوزون الخامسة يتراكضون يلحقون بعضهم بعضاً بين السيارات الواقفة والمتحركة، سيكون من العجيب أن تنهي هذا الشارع الذي لا يتجاوز الكيلومتر الواحد، من دون أن تجد أمامك سيارة متوقفة لأي غرض تجاري. ولأن الإنسان يتكيف مع الظروف، صار من المعتاد أن “يعتدي” على الجانب الآخر من الطريق، لأن الانتظار وراء هذه السيارة قد يطول، وإذا ما حاولت تنبيه سائقها إلى أنه يسدّ الطريق، لن تجد غير الإشارة المعروفة من يده بأن الطريق الآخر مفتوح... ألا تعرف السواقة أم أنك “جبان” لا تريد أن تخالف السير.. يا مثالي؟! الأغرب في هذا المشهد كله، أن هناك ارتدادات في الأرصفة، وفارغة من أي سيارة في بعض الأحيان، ولكن أصحابنا لا يودون الدخول فيها، ومن ثم تعديل السيارة إلى الوراء والأمام... والابتعاد قليلاً عن البقالة أو “راعي الخضرة”، يريد كل شيء يأتيه رغداً في مكانه من دون أن يحيد عن الطريق.
مشهد (4): المنطقة نفسها، صباحاً محل لبيع “شاي كرك.. شاي ملكي”، هذه الصرعة الجديدة التي غزت الشوارع، تزدحم سيارات الموظفين، يحملون “دلالهم”، كل يريد أن “يشحن كركاً” لساعات الدوام، يمتلئ الشارع، يضيق، الذاهبون إلى أعمالهم، اذهبوا إلى الجحيم، إنه وقت “الكرك”، وصاحب السيارة المتوقفة يرمقك بنظرة غاضبة وكأنك أنت من أخطأ في حقه، ويشير الى أنها ليست إلا دقيقة واحدة.. ليس أكثر.
والمشاهد كثيرة، إلا أنني تجاوزت المساحة المعطاة لي على الصفحة، لأنهي بالتساؤل الأهم: “لو كانت دوريات المرور تجوب هذه المناطق الأكثر من مشهورة، وتعمل بصرامة مع المخالفين والمتجاوزين لحقوق غيرهم. لو كان النظام أكثر صلابة في تعريف معنى الشارع ومستخدميه. لو يجري العمل لإعادة أخلاق الشارع التي كنا نتحلى بها ويُضرب بنا المثل بها خليجياً وعربياً أيضاً، والتي ما كانت معروفة عنا إلا بالتزامنا والقوانين التي تطبق بأقرب ما يكون من حذافيرها.. ألم يكن وضعنا أفضل؟”.
ملاحظة: الصرامة لا تعني أبداً القسوة.