ما إن أطلق رئيس وزراء دولة الكويت الشيخ جابر المبارك الصباح، في الثامن والعشرين من الشهر الماضي تصريحه الشهير أمام مجلس الأمة أن “دولة الرفاه التي تعودها الكويتيون لن تستمر طويلا”، حتى انهال عدد من الكويتيين في وسائل التواصل الاجتماعي تعليقاً بمرارة على انتهاء هذه الدولة، مشيرين إلى أنهم لم يروها أصلاً، وأنها مجرد وعود، وصار “هاشتاغ” باسم “دولة الرفاه انتهت”.
ويمكن القول بشيء من الطمأنينة، إن الشعب الكويتي من أكثر الشعوب التي عرفتها نقداً وانتقاداً، إلى درجة “تشقيق الشعرة”، فلا يمكن أن يمرّ أو يمرر أي تصريح أو موقف أو بيان، سواء كان صادر من الحكومة أو من المعارضة، من دون أن “يشرشح” من قبل الطرف الآخر. يكثر الشعب الشقيق “التحندي” على كل شاردة وواردة، حتى يكاد من يسمع ويقرأ ما يكتب ولا يعرف الكويت، أو لم يزرها، يتخيلها قاعاً صفصفاً ليس فيها أي أثر لتنمية أو عمران أو تطوير أو إيجابيات حتى في أيّ من نواحي الحياة.
ولكن المسألة لا تقف عند حد التصريح الرسمي في دولة الكويت، ولا عند رد الفعل الشعبي، ولا بمحاولة “لملمة” التصريح فيما بعد، ولكن الأمر الكويتي هو أمر خليجي، أي أنه ينطبق على بقية دول الخليج العربية الأخرى، وإن بتفاوت من دولة إلى دولة في مجال صنع القرار، ومن مجتمع إلى آخر في مجال تنفيذ القرارات أو الحراك الأهلي فيها.
وربما هناك التباس في المصطلح بين “دولة الرفاه” وهو أن تكون الدولة (الأجهزة) تعيش الرفاه أو تضمن الرفاه للناس، و”مجتمع الرفاه” وهو المجتمع “الذي يجمع بين النمو الاقتصادي الذي يتميز بـ مستويات المعيشة المرتفعة وظروف العمل الجيدة” ، ولكننا هنا لسنا في وارد درساً في الاقتصاد أو علم الاجتماع، لأن هناك ما يلوح منذ زمن في الأفق، ولن ننتبه حتى يصل إلى الحلاقيم.. ولات ساعة مندم.
ففي هذا العام، نستذكر أربعين عاماً مرت على حرب السادس من أكتوبر 1973، حيث قامت الدول النفطية الخليجية على ضفتيه بالاتفاق على منع تصدير النفط إلى الغرب، كنوع من التضامن العربي والدعم الكبير للحرب التي كانت تدور رحاها بين القوات العربية على الجبهتين السورية والمصرية، والمحتل الصهيوني. ومن حيث لا ندري ولا نحتسب، ومن حيث لم نخطط ولم ندبّر، منحنا الله - من بعد اكتشاف النفط الذي لم نخطط له ولم ندبّر - أرباحاً إضافية جراء هذا المنع، كان هذا “البونس” Bonus، فانتقلنا فجأة من حال إلى حال. وقطعاً كان هذا الانتقال متفاوتاً من بلدان إلى أخرى بحسب كمية الإنتاج النفطي. فصرنا نتطاول بالبنيان، وانهالت على الناس أموال من بعد تقتير، وأصاب الخبال شرائح وطبقات من المجتمع، حيث امتلأت معيّها - فجأة - بما لا تستحمله ولم تتعود عليه، فأتخمت، وترنحت وركنت إلى الأرض لا تستطيع حراكاً.
منذ أربعين عاماً، بل وقبل هذا، والتقارير تكتب، والدراسات تنشر، والمحاضرات تعقد، والندوات تلتئم، والمقالات تدبَّج، والتحذيرات تصدر، كلها تقول: ابحثوا عن موارد ومصادر رزق أخرى فالنفط لا يدوم، وإنه طاقة أحفورية زائلة، وهذه الدول تؤجل عمل اليوم إلى الغد. وغد الإنتاج والإنجاز والتحول من اقتصاد ريعي يقوم على استخراج النفط وبيعه والاستفادة من ريع الدخل، إلى اقتصاد منتج؛ شأنه لدى الدول شأن “الريجيم” لدى الأفراد الذي يعزمون البدء به في الغد، ولكنهم يصابون بالخوَر، ويؤجلون المشروع مجدداً لغد آخر, في غالب الأحيان لا يأتي هذا الغد أبداً.
خلال أربعين عاماً، تربّت أجيال بعض الدول الخليجية على التباهي بأنهم مواطنون، ويمنّون على دولهم بأنهم مواطنون، حتى لو انسكبوا مترهلة عضلاتهم جميعاً وهم على سررهم في منازلهم، وكأنهم يتفضلون على حكوماتهم بمواطنيَّتهم. وإذا كان في بعض هذه الدول من يعمل من المواطنين في العقود الأولى من الأربعينية الماضية، فإنهم رويداً رويداً صاروا يتخلون عن العمل و”وجع الراس” فيه، فيجلبون من دول عربية وآسيوية وأوروبية “موظفي ظل”، يقومون مقامهم، يكتبون نيابة عنهم، يبحثون نيابة عنهم، يؤلفون نيابة عنهم، وربما يتطور الأمر (إن لم يتطور من قبل) لأن يشعرون نيابة عنهم. وإنه والله لخزي وعار عظيم أن يكون هناك شباب مواطنون مسترخين نهاراً في المقاهي الأنيقة، وعلى الأرائك ينظرون إلى الآتي والغادي (خصوصاً إن كان من الجنس الآخر) تاركين مواقع العمل والإنتاج والإنجاز والتطوير والتنمية، وهم قادرون على القيام بها، في أيدي غيرهم من الأُجراء.
إن كان هذا الترف والرفاه وهذا الكسل الذي يعيش فيه المواطن في بعض الدول الخليجية، فلا بارك الله فيه من ترف ورفاه وبَطر، إذ تربّت أجيال في أربعة عقود على أن تقيس الإنسان بقيمة ما يلبس لا بجودة ما يصنع، ولا بأهمية ما يعمل، إذ تحوّل العمل إلى نقيصة وعار وخدش لمواطنية المواطن الأجوف. وانكبّ شباب ارتادوا الجامعات على تتبع جذوع وأغصان وأرواق أشجار العائلة، في حمّى أصالة الانتماء لعدنان، بل وحتى هذا البحث والتنقيب يدار بأيدٍ غير أيديهم، وإن عزّ الطلب ولم تتوفر الشجرة المطلوبة، سيتم استنبات شجرة، ولصقها بالأصل والفصل، وأفخاذ القبائل وبطونها.
قيل أن عمر الأربعين هو عمر الرشد، فما بالنا وقد بلغنا الأربعين عاماً نفطاً لا نزال نفتح أفواهنا في انتظار ملاعق الدولة، وما بال الدول تسير في الأربعين نفطاً ولا تنتبه أن الباقي أقل مما مضى، وأن عليها الادخار وتنويع مصادر دخلها، والبطء في استهلاك شحومها، فالرحلة أمامها جدّ طويلة..! ها نحن ذا لم نذق رفاه أوروبا المرتبط بالنمو الاقتصادي المبني على أسس إنتاجية صناعية كانت، ثم تقنية حتى أصبحت فكرية ومعرفية، ولا نحن الذين استبقينا من يومنا لغدنا... أي رفاه هذا وأي رشد؟!