العدد 1854
الإثنين 11 نوفمبر 2013
زراعة القمح والأشجار والبشر! غسان الشهابي
غسان الشهابي
ذرائع
الإثنين 11 نوفمبر 2013

استوقفتني عبارات في غاية الأهمية، دائماً ما نتكلم عنها، دائماً ما نسوقها في عباراتنا، ولكننا دائماً أيضاً نحتاج إلى ما يؤكدها لنا حتى تغدو شبيهة بوسائل الإيضاح أو أن تشبه البراهين التي تقوّي المواقف وتحيل النظري إلى العملي، والفلسفي إلى الواقعي. لقد قيل إن سور الصين العظيم، الذي بدأ تشييده على مراحل بدأت قبل الميلاد بقرنين من الزمان، تم استعمال 300 ألف شخص فيه تقريباً، وامتد على طول 6700 كيلومتر، صاعداً مع الجبال، نازلاً مع السهول، مجاوراً الأنهار، وتتالت الأسر الحاكمة في الصين على بنائه أسرة إثر أسرة، وسلالة في أعقاب سلالة، حتى منتصف القرن السابع عشر، وكل ذلك تحت الخشية من الغزوات التي كانت تطمع في هذه المساحات الشاسعة، والخيرات الوفيرة، والقوى العاملة المتوفرة منذ قديم الأزل، حتى قيل لو ان جميع الصينيين صعدوا طاولات وقفزوا من فوقها في وقت واحد لحدث زلزال في العالم. إلا أن هذا الأثر الذي اعتبر واحداً من مكونات قائمة الإرث الإنساني في اليونسكو في العام 1987، لم يقم تماماً بما أنجز من أجله. فعلاً إنه صدّ الكثير من المتسللين والغزاة والمغامرين، إلا أنه لم يصمد تماماً، ولم يمنع احتلال الصين لا في العصور القديمة، ولا في التاريخ المعاصر.  في العصور القديمة قيل إنه تم اختراق السور ثلاث مرات، لا لأن هناك مقاولين فاسدين غشّوا في مواد البناء فتهدمت أجزاء السور، ولا لأن الغزاة كانوا قوماً جبّارين استطاعوا أن يظهروا السور الكفيل بصد الجهد البشري الاعتيادي. ولكن كل المسألة هي أن الغزاة اخترقوا السور من حرّاسه. فقاموا برشوتهم والتسلل إلى البلاد من خلال الثغور التي يقف عليها الحراس. لقد أحسن الصينيون بناء السور، وانشغلوا بذلك عن بناء الحراس. يقال إن هذا حدث ثلاث مرات أساسية في تاريخ الصين سابقاً، وبقي السور قوياً صامداً شامخاً، واستعمله الغزاة تالياً ليصدّ عنهم الأعداء بعد أن تعلموا الدرس، ووظفوا من الحراس من لا يمكن شراؤهم بسهولة.. فالإنسان دائماً أهم من البنيان، وقوة النفوس أصلب من معادن المعاول والفؤوس. فقد ينقب الغزاة جانباً من السور، وقد يتسلق منهم من يتسلق، وربما قتلوا وفتكوا وأساؤوا وسلبوا، ولكن ما دام الإنسان قد بُني على الإخلاص لوطنه وأرضه وناسه، فيمكن أن يخسر بعض المعارك، ولكنه أبداً لا يخسر الحرب، ولا يسلّم بالراية البيضاء نظيفة ناصعة برّاقة!. المنطق نفسه والرؤية نفسها يمكن تحويلهما لمن أراد أن يجد الأمن في غير موضعه، بأن يكدس من السلاح ترسانات، ومن الرجال جيوشا وألوية، ومن التدابير ملفات تنوء بحملها العصبة من الرجال، ومن الحواجز السواتر ونقاط السيطرة، وكاميرات المراقبة ما يُعجز موازنات الدول، لأن الخوف يجر الخوف، وعدم الاحساس يكون داخلياً، ينبع من ذات المرء، يرتبط بالخبرات الشخصية، والتاريخ الممتد وإن تغيرت شخوصه، ألا يقال إن الإنسان كائن ذو تاريخ؟! فالخائف عطشان لا يرتوي، إنه مصاب بداء الاستسقاء. فكلما عزز دفاعاته، راح يفتش عن ثغرات حصونه، والمناطق الرخوة في أسواره، وإن لم يجد فسيشتري المزيد من السلاح، ويعسكر المزيد من الرجال، وتنفلش لديه الأجهزة الأمنية، الظاهرة منها والخفية، لتبدأ تتشعب وتتغول وتصطنع أحياناً أعداء وهميين، أو تشجع الأعداء على التخلّق والظهور لكي تبدأ الأجهزة في النشاط، ولتبدو أهميتها، ولتطرح نفسها كمخلّص للبلاد والعباد من شرور الأعداء ومؤامراتهم. فهناك طريقان للأمن الحقيقي، وهذه تجارب الأمم تقف خير شاهد للإنسانية: الطريق الأسهل والمختصر والأكثر كلفة مادية، هو البناء الهيكلي المتصاعد لقوى الأمن وأجهزته المختلفة والمتداخلة والمتباينة والمرهقة للموازنات. وهي الطرق التي تعد دائماً بأنها على أهبة الاستعداد للضرب بيد من حديد على من تسول له نفسه زعزعة الأمن. وهذا الأمر ليس بالسيء في حدوده، وهذا ما يسمى “استبطان الحرب في زمن السلم”، أي أن تكون لأية دولة قوة تعرب عنها، واستعداداً لأي طارئ، وتكون مهابة الجانب، قادرة على التفاوض في أية قضية تسندها جملة من الأمور من بينها القوة العسكرية والأمنية لها حتى يمكنها من قول كلمتها في شؤونها الخارجية بكل ثقة اعتماداً على العديد من المعطيات التي تمتلكها، فلا أحد يخشى الضعفاء والمتخلخلين. الفرق الوحيد هو أن نظرة على الدول الأكثر استقراراً داخلياً، ومهابة خارجياً هي تلك الدول التي سلكت الطريق الثانية، وهو طريق تقوية الجبهة الداخلية التي لا تقوى إلا ببسط سلطان العدل على الجميع ومن أجل الجميع، ليعرف كل أناس مشربهم، ويطمئنوا إلى أنهم في بلد لا يظلمهم ولا يحقرهم، فهذا أكثر تأثيراً من الشعارات الإعلامية الطنانة عن الانتماء الوطني وحب الأوطان، فيما الأرض تئن من وطأة من يمشون عليها بتثاقل وقد سرقوا ونهبوا وأضاعوا الحقوق، وأهلكوا الحرث والنسل.
الطريق الأولى سريعة تحتاج القوة. الطريق الثانية صعبة، ولكنها تحتاج إلى العقل والدراسات والتحاور مع الناس، النخب والقواعد. الطريق الأولى قد تنهي احتجاجاً وقد تفك اعتصاماً، لكن الحل الأكثر ديمومة لن يكون إلا بانتهاج الطريق الثانية، ومن الصعوبة أن يشيح عاقل عن الحلول الطويلة الأمد، ذات التأثير الطويل الأمد فقط لأنه يريد التأثير السريع الآني. إذ تقول الحكمة “إذا كان لديكم حلم على مدى سنة فازرعوا قمحاً، وإذا كان لديكم ما هو أبعد من هذه المدة فازرعوا شجراً، أما إذا كنتم تحلمون مدى الدهر فاخدموا البشر وأحسنوا خدمتهم وعطاءهم، لأن سواعدهم حصون لكم، وعقولهم ارتقاء بكم، وأجسادهم سدٌّ لدياركم”.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية