أتى الخبر الذي نشرته الصحف المحلية عن إدانة موظف بالسجن خمس سنوات لأنه أتى بشهادة صحية أو بالأحرى مرضية (سكليف) مزوّرة، في الوقت الذي كنت أستعد فيه لكتابة ما يشبه الاستطراد لموضوع سابق عن العمل وقيمته و“تحلطم” قطاع كبير من البحرينيين العاملين في الأشغال الخاصة والعامة لدى عودتهم إلى أعمالهم سواء من بعد إجازة طويلة، أو حتى إجازة أسبوعية، وكأنهم يُدعون إلى الموت دَعَّا. وإذ لا تهمنا قضية موظف واحد حصل على هذه الإجازة المرضية بشكل مزور ودفع ثمنا لا شك أنه غاليا في هذا المجال، فإن ما يهمنا أكثر هو هذه الإجازات المتمارضة التي يستخرجها عدد كبير حقيقة من الموظفين ادّعاء لأمراض ليست بهم، وعلل لم تمر عليهم يوماً ما، والمدير ذي العين المدرّبة يعرف إن كان الموظف مريضاً أم متمارضاً، ولكن في كل الأحوال عليه أن يغلق فمه لأن أمامه على المكتب وثيقة تقول إن الموظف قد حصل على عذر شرعي لغيابه، وبنصّ القانون. اللعبة التي يتبادلها الموظفون من جهة، والوزارات والشركات والمؤسسات الحكومية وغير الحكومية، ومغرية للبعض للاستمتاع بها، وذلك باستمتاع القط والفأر باللعب مع بعضهما، وليس كما شاع عن عداوتهما لبعضهما البعض. فالمؤسسات غالباً ما تتهاون بشكل كبير طوال العام في شأن الإجازات المرضية، أو أنها تعجز – بشكل أو بآخر – عن تتبع كل حالة إجازة مرضية، وإلا فإنه يتوجب عليها أن تنشئ إدارة خاصة في كل مؤسسة لتتفحص وتمحّص الإجازات المرضية، ومعرفة من الذي أصدرها، ولماذا، وتطلب الملف الشخصي للموظف صاحب الإجازة المرضية، وتنتدب خبيراً صحياً لقراءة خطوط الأطباء التي تُعجز الأصحاء والمرضى عن فكها وحل طلاسمها. لذا فإن الموظف الاعتيادي الذي لا يجري تحفيزه أو ترسيخ قيم العمل لديه، ولا يعرف إلى أي حد هو مهم وفاعل في دورة العمل، والذي يتخذه بعض المديرين والمسؤولين كمّا مهملاً، لن يتورّع في الاستفادة من الأيام التي قسمها له القانون بالنسبة للغياب بعذر طبي، فترى كثرة كثيرة من الموظفين “يحسبونها صح”، ويستنزفون هذه الإجازة المرضية حتى آخر ساعة فيها، فيقوم الموظف من هذه النوعية بتصفير جميع الإجازات الاعتيادية السنوية، وفوقها الإجازة المرضية سنة بسنة. وفي المقابل، فإن المؤسسات ليست أقل حماسة من هذا الموظف، ولكن بشكل عكسي. إذ إنها تأتي في المفاصل المقلقة من العطلات السنوية (كعطلة عيد الأضحى الفائتة) إذ غاب فعلياً، أو تغيّب “مرضياً” أو “تمارضياً” كمٌّ ليس قليلا من البشر، حتى بدت كثير من الدوائر الرسمية خاوية على عروشها تصفر فيها ريح الخواء. فأما من غابوا فلا بأس، فهم يأخذون من إجازاتهم لردم الهوّة الحاصلة ليوم عمل بين يومي عطلة، وهو الادعاء الذي يردده الكثير بأن دولاً خليجية أخرى لا تسمح بأن يكون هناك يوم عمل بين يومي إجازة. ولكن في المقابل، فإن بعض الموظفين لا يريدون أن “يجرحوا” إجازتهم السنوية بأن يستهلكوا منها يوماً واحداً، فيستخرجون شهادات تفيد أنهم مرضى في ذلك اليوم. فتعمل هذه الجهات على ناحيتين: تبييض وجهها أمام الرأي العام ومتخذي القرار بأنها سوف تحاسب من يتغيب في هذا اليوم حساباً عسيراً، وأيضاً، تقوم بالتشديد المبالغ فيه على من يتغيّبون في ذلك اليوم. وإذا ما جئنا إلى الواقع، فسنرى أن جهداً كبيراً يُبذل من قبل الموظف والمؤسسة في التصيد والتفلّت، يمارسه الموظف المتغيّب والموظف الآخر المتربص له، حارس بوابة المؤسسة والحريص على شرفها واستتباب العمل فيها (وهم دوائر شؤون الموظفين والموارد البشرية)، إنه نوع من التنشيط وكسر الروتين اليومي، لغياب مستمر طوال العام لا يتم السؤال عنه بالقدر الكافي، وترك أكثر من 200 يوم عمل في السنة، والانكباب على يوم واحد أو يومين على الأكثر. حتى أن مسؤولة في أحد المراكز الصحية أشارت قبيل عطلة العيد الأخيرة في تصريح لها لإحدى الصحف “أنه لن يتم اعطاء أية اجازة مرضية اليوم وغدا الا لمستحقيها فقط من مترددي المراكز الصحية”. أي أنه في الأيام السابقة، واللاحقة، سوف تمنح الإجازة المرضية كيفما اتفق بحسب منطوق التصريح!. نعود إلى القصة ذاتها، إلى المعضلة الأساسية: وهي أن العامل أو الموظف إذا لم يشعر بقيمته وقيمة عمله، وأنه فرد مهم في هذه المؤسسة، وأنه دافع أساسي لتحرك الاقتصاد الوطني، وأن الاقتصاد الوطني عندما تدور عجلاته ويتحرك وينتج وينمو ويتطور فإن هذا سيعود عليه بالنفع العظيم والخير العميم، ولن يتم التصرف في مقدرات هذا النمو والناتج إلا بالشكل الرشيد الذي ينمي ثروات الوطن من أجله ومن أجل عياله. وإذا لم يتمتع الموظف بالمسؤولية العالية تجاه ما يفعل، سواء كان يؤدي خدمة للآخرين، أو يقوم على أمر إنتاجي للمؤسسة التي يعمل فيها، وإذا لم تفته فرص التدريب والتأهيل لأن مسؤوله لا يريد أو لا يعي معنى أن يتطور الموظف. وإذا كان هذا الموظف يرى أنه سواء عمل أم لم يعمل فإنه سيحصل على مرتبه في آخر الشهر، وعلاوة سنوية آخر العام، وأن القوانين والأعراف ستحميه من “الفُنش” فقط لأنه “مواطن”، لذا فهو يمنّ على الوطن بأنه “يضيع” ساعات من حياته في العمل. وإذا رأى الموظف أن الترقيات والدرجات والعلاوات والمناصب يتم توزيعها بالمحسوبيات والألقاب والمعارف وأصحاب السهرات والمتملقين والمتزلفين وماسحي الجوخ واللطيفات واللطيفين أيضاً من الجنس الآخر؛ فسيكون صعباً علينا أن نلومه أو نشدّ القيود عليه، لأن بيئة العمل حينها ستكون غير مغرية، وغير جديرة بالاحترام، ولا يمكن أن تنتظر إخلاصاً من الموظفين الذين فقدوا القدرة على الإيمان بها أو بعدالتها.. فيا سادتي، لا تغصّوا وتنتفخ أوداجكم لضياع يوم واحد، فلقد ضيّعتم سنوات وعقوداً من الإنتاجية الممكنة لو التفتّم إلى هذه الطاقات الهادرة، التي حولتها سوء الإدارة إلى طاقات مهدورة.