العدد 1836
الخميس 24 أكتوبر 2013
أمام مرايا البرلمان غسان الشهابي
غسان الشهابي
ذرائع
الخميس 24 أكتوبر 2013

ما هو إلا دور تشريعي واحد، ويطوي الفصل الثالث من عمر التجربة البرلمانية البحرينية أوراقه بكل ما فيه من إنجازات وخيبات أمل ومشاريع برغبة وأخرى بقوانين، ومد وجزر، واستقالات وغيرها، ليبقى من بعد ذلك فصلاً تشريعياً من الفصول التي ستدخل ذمة التاريخ، ولا يُدرى ما الذي سيُكتب فيه وعنه إذ ذاك خصوصاً بعد أن يغلق التاريخ الباب وراءه ولا يمكن العودة إليه من جديد.
إن الحديث عن فصل تشريعي ثالث يعني الحديث عن اثنى عشر عاما من الممارسة الديمقراطية، وهي ليست بالعمر الطويل بالنسبة للأمم، خصوصاً أننا جئنا مشحونين بجملة من التصورات حول ما يمكن للبرلمان أن يؤديه، واضعين أمامنا أحياناً، ومتناسين أحياناً جميع المؤثرات المحلية والإقليمية والدولية، والوضع الاقتصادي، والمتغيرات السياسية، التي قد تكون دافعاً للعملية البرلمانية أو مانعة لها من التطور بالشكل الطبيعي. أتينا إلى العمل البرلماني بعد تغيرات هيكلية عميقة جرت في البلاد إثر المشروع الإصلاحي، حيث استوعبها البعض وسار في ركابها محاولاً تغيير ما يمكن تغييره في ذاته، بينما بقي آخرون يحنّون إلى الزمن الذي لا يُسمع فيه سوى صوت واحد، فقد كانوا مرتاحين للانقياد وعدم المشاركة، لأن المشاركة مسؤولية، وفي رأي البعض أن تترك المسؤولية لمن يتحملها، ويعيش الناس حياتهم في ظل وجود الأب (الحكومة) الذي يذبّ عن أطفاله ويحدب عليهم، وأحياناً يقسو عليهم إن أساءوا الأدب والتصرف، ولكنه يبقى الأب ذا المهابة والاحترام. وفي الطرف الآخر، رأى آخرون أن مرور سويعات من اليوم الواحد من دون تغيير جذري لما تراكم عبر السنوات من ممارسات، بعضها أثبتت جدواها بينما هناك ما احتاج إلى التعديل، أو الإلغاء، فحمّل هذا البعض البرلمان ما لا يحتمل، وأثقله بالآمال والأحلام التي خلعها عليه. واكتشف بعد مدة قصيرة أن البرلمان شبه عاجز عن السير بكل هذه الأثقال والآمال، إما لعدم التفاهم العام حولها، وإما لأنها ليست أولوية البرلمانيين أنفسهم.
بقي جزء مهم من جدراننا، وحتى وقت قريب، أي حتى قبل أحداث فبراير 2011، وقد وُشمت بعبارة “البرلمان هو الحل” نظراً لتصور الحركة الاحتجاجية في تسعينات القرن العشرين، أن عودة البرلمان ستكون المنقذ من الضلال، والحامل لجميع مفاتيح الحلول لكمّ القضايا التي تولّدت في غيابه، ولغيابه طيلة الفترة التي تم فيها تجميد المجلس الوطني منذ 1975. ولكن لا التجربة الأولى ذات العام ونصف العام تقريباً قد نجحت في تحقيق الرؤى والطموحات، ولا التجربة ذات الاثني عشر ربيعاً قد حققت. فاللعبة السياسية تقتضي أن يمارس السياسيون بهلوانياتهم السياسية بيد، ويسيّرون القوانين ويشرّعونها، ويراقبون الأداء الحكومي باليد الأخرى حتى يشعر الجمهور أن هناك ما تغير وتحسّن وتعدّل وتحرّك، وإلا لماذا يتقاطر الناس في كل مرة على صناديق الاقتراع؟.
عندما سينتهي الدور التشريعي الرابع من الفصل الثالث، وفي الفترة الفاصلة عن الانتخابات التشريعية المقبلة، فكل الأمل أن يقف البحرينيون أمام مرايا مستوية، لا مقعّرة ينصبها المعارضون للتجربة البرلمانية والقطاع الكبير من الناس تحت مقولة “ما سووا لنا شي”، إذ يرى منتقدو التجربة البرلمانية البحرينية أنها عاجزة عن القيام بأي فعل سواء لأنها أضعف من السلطة التنفيذية، أو لأنها تفتقر إلى الانسجام الكافي لتأمين أغلبيات كفيلة بتمرير قوانين، ومحاسبة المقصرين، أو لأن التجربة (بعمومها) قائمة على الثنائية القطبية بشكل طائفي أساساً، وبشكل انتمائي أيديولوجي تالياً، وهذا ليس عيباً في حد ذاته إن انحصر في محيطه، ولم يطل برأسه عند كل منعطف، وبقي في إطار “توازن الرعب” الذي يمكن من بعده إجراء مفاوضات أكثر رجاحة تتقدم فيها المصالح الوطنية العليا على ما سواها من مصالح. هذا من جهة الناقدين، أما الناقمين من الناس، والذين لا يرون في مجلس النواب إلا فرقة من الأشخاص التي كانت تسعى للوصول إلى الكرسي للاستفادة من أكبر كمّ من المكاسب الذاتية، والعائلية، بينما لا ينفع النواب الناس في تدبير أعمال لهم، أو إسقاط القروض عنهم، أو إنارة شوارعهم... الخ.
ومن المهم أيضاً أن لا يقف النواب، ومناصرو التجربة البرلمانية أمام المرايا المحدّبة التي تعكس صورة أضخم بكثير من الواقع، فتضخّم الإنجازات، وتعظم ما تم، وتخفي العيوب والنقائص، وتصوّر الأمر على أنه أفضل ما في الإمكان، بل أفضل ما يمكن أن يكون. لأن الكثير من الشواهد (بصرف النظر عن الكثير من أقوال التحامل التي يطلقها الاعتياديون من الناس، وهم كُثر) تشير إلى اختلالات أصيلة في عمل المجلس تعطله عن أن يؤتي ثماره المرجوّة، حتى مع الأخذ بحداثة التجربة قياساً لما ابتذلناه من المقارنات مع “الديمقراطيات العريقة”. إذ إن السمة الأساسية الفارقة بين الناشئ والعريق يتمثل في الأعراف القارّة، والحدود التي لا يتجاوزها أي طرف على حساب ما يمكن أن “يكسر اللعبة” السياسية والبرلمانية، حتى لا تخرج الأوضاع عن السيطرة، لذا لم أر (وربما هذا نقصّ فيّ) أن نواباً في مجلس العموم البريطاني تقاذفوا بأضابير الجلسات، أو سحب أحد أعضاء الكونجرس الأميركي السلاح وأشهره في وجه زميله، أو انتهت جلسة في مجلس النواب الاتحادي الألماني (البوندستاغ) بتبادل السباب بين الأعضاء بألفاظ يأنف عنها رجل الشارع العادي، ولكن لا يترفع عنها ممثلوه.
إن صحّت التسمية، فإن أعضاء مجلس النواب (تحديداً)، وبعضهم استمر في المجلس منذ انطلاقته في 2002، هم “الآباء المؤسسون” لتجربة نرجو أن تطول وتتعمق وتُصقل وتحسَّن على مرّ أدوار الانعقاد والفصول التشريعية، وعلى “الآباء” ستسير ركاب الآخرين. لقد تنكّب عدد من “الآباء” الطريق، وأحسن من أحسن منهم، وحاول مخلصاً من حاول، وأدى البعض أدواراً رائعة، ومارس بعضٌ منهم ما يندى له الجبين، وإلى جانب “الأشخاص” هناك “أرقام” سيان إن غابت وإن حضرت، وهذه سُنة التجمعات. وكما في كل مرة، نقول: إنه الدور الأخير، فاجعلوه للختام مسكاً.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية