على الرغم من اكتظاظ الأفكار التي تصلح للتوسّع فيها، وطرحها من زوايا كثيرة في الفترة الفاصلة بين المقال والمقال، وربما أهمها مسألة اعتذار المملكة العربية السعودية عن قبول مقعدها في مجلس الأمن الدولي، وردود الفعل، وما الفاضل والأفضل في هذه الحالة قياساً على دروس التاريخ، إلا أن الرسائل المتكاثرة التي تبدّت بشيء من البروز الكبير، كانت أكثر استلفاتاً للنظر، لأنها تعدّت الفعل الفردي لتنتقل إلى “ظاهرة” اجتماعية.
ما ان آذنت عطلة عيد الأضحى المبارك على الانقضاء، وبالتحديد منذ أن أشرقت شمس يوم السبت الماضي، حتى امتلأت وسائل التواصل الاجتماعي بشتى أنواع البكائيات على العطلة الراحلة، و”الدوام” القادم، حتى يخيل للمرء أن الشعب البحريني يساق إلى المقصلة أو المشنقة، أو أن كارثة نفسية عامة مقبلة عليه، أو أنه سيدخل منذ الأحد في طوق العبودية القهري بذهابه إلى العمل مجدداً.
كانت “بكائيات” العودة إلى العمل من بعد إجازة نهاية الأسبوع تسير بشكل متقطع، وممجوج، واستنفدت جميع الوسائل المرفهّة أو الباعثة على الابتسامة، ويمكن تقبّلها في أطرها الفردية. إلا أن ما حدث في هذه العطلة لا يمكن الإشاحة عنه بسهولة، ولا يمكن أن يكون من باب التسلية والضحك فقط، لأن هذا “الجزع” له وجهان: إما أن يكون حقيقياً، وإما أن يكون مصطنعاً، وفي الأمرين وجب النظر من علماء النفس الوظيفي، إن وُجدوا لدينا في البحرين. وإن لم يُوجدوا فهذه مشكلة أخرى تستحق أن تضاف إلى قوائم مشاكلنا العالقة.
يبدو أن هناك فقداً حقيقياً في زرع العمل كقيمة لدى الناس، وليس فقط انتظاراً لراتب آخر الشهر كما درج الأمر. فلا يمكن فصل العمل عن كينونة الإنسان وحاجته الأساسية للعمل والإنتاج والإبداع والتأمل والتطوير، ولا يمكن للإنسان أن يعيش في عطلة في ظهر عطلة طيلة حياته، وأن يتقاضى أجراً على عطلاته الممتدة والمتواترة. صحيحٌ أن القصص عن اليابانيين والآسيويين عموماً، تتواتر من تقديسهم للعمل حتى أنهم يموتون أحياناً فوق مكاتبهم نظراً لدافعيتهم الشديدة للعمل، وحب الإنجاز والتفوق والقفز على الواقع بدوافع الإبداع؛ إلا أن هذا المشهد يظل أسطورياً وبعيداً عن أذهان مجتمعات العالم الثالث التي لا تزال تتعجب من تسميتها بهذا الاسم، والحقيقة أنه لو كان هناك تصنيف أبعد من “الثالث” لما تردد العالم عن منحه (منحنا) إياه.
فكم هي القصص التي نسمعها ويتناقلها الناس عن الذين “يعملون على قدّ الراتب”، أو أن العمل “لا يستاهل”، وطوابير الموظفين التي تنتظر قبل عشر دقائق ناظرة إلى ساعاتها، وكأنها على خطّ سباق المئة متر، تنتظر أن تدق الساعة لكي “تبصم” و”تهرب” مغادرة موقع العمل، وكأن أبواب الوزارة أو المؤسسة ستغلق دونهم إنْ هم تأخروا بضع دقائق. والسؤال الأهم: ما الذي كانت تفعله هذه الجحافل طيلة الساعات الثماني من وجودها في مواقع عملها؟ ما الذي أنتجته؟ ما المشاكل التي تم حلها ذلك اليوم؟ ما الذي تقدّم في أصغر تفصيلة في العمل اليومي؟ هل من اقتراح تقدم به الموظف الفرد لتطوير عمله أو تحسينه أو تسهيله أو تيسيره؟ وقد يحتج الكثير من الموظفين الحكوميين إن قرأوا (أو بالأحرى أعادوا قراءة) دراسة أعدها الدكتور أكبر جعفري في 2010 تقول إن إنتاجية الموظف الحكومي في البحرين 48 دقيقة فقط، وأن الوقت المهدر يومياً نسبته 87 %، هذا ونحن في بلد ليس نفطياً تماماً، بل يطرح نفسه كبلد خدماتي. إذاً، علينا أن نتصور هذه الخدمة التي لا يقوم بها موظفون إلا في أقل من ساعة مجمّعة من ساعات دوامهم الذي يصوّرونه على أنه “الموت الزؤام” عندما يعودون إليه من بعد عطلة! وإن كان هناك موظفون، وطبيعة أعمال لا تجعل من موظفيها يلتقطون أنفاسهم، ويمرّ اليوم وهم كأنهم بدأوه للتو لفرط النشاط والحيوية والإيجابية، ولكنهم للأسف ليسوا هم الصورة العامة، فما هم إلا شواذّ القاعدة.
فهل علينا أن نفترض أن ما يشاع في وسائل التواصل ما هو إلا “اصطناع” لهذا القهر والألم والتعب الذي سيعانيه الموظف لدى عودته إلى العمل في اليوم التالي من بعد الإجازة؟ هل هذا سياق اجتماعي يقدّس الكسل والراحة والدعة على العمل والإنتاج وقيمة الإنسان بما يعمل، أم هو نتاج ثقافة جديدة تسللت إلينا “تحتقر” العمل وتنسبه إلى الوضعاء من الناس، وهي ثقافة لم يعرفها من كانوا قبلنا من الذين كدحوا في البر والبحر وفي “الجبل” و”الفنري”؟ في هذه الحالة على المعنيين في ديوان الخدمة المدنية (أفترض أنهم معنيون أكثر من غيرهم) بدراسة تأصيل قيمة العمل قبل أن ينكبّوا على قوانين الغياب والحضور وبدل الانتداب وغيرها. لأن المخلصين لعملهم سيكونون أحرص على الحضور، وأحرص على وقت العمل قبل الانصراف منه.
لو انتقلنا إلى الفرضية الثانية من منطلق ما يشاع في وسائل التواصل الاجتماعي بشأن الدوام، وهو أنه صحيح أن الأعمال في البحرين (بشكل عام) هي تقصير للعمر، بسبب الأجواء المتسممة، والمسؤولين الذين يزرعون العيون والآذان لتتجسس لصالحهم في زوايا العمل، ونظراً للمكافآت غير المتوازنة بين من يعمل صامتاً ومن يتقافز ليظهر نفسه، والدرجات والرتب التي لا يحصل عليها الموظف إلا بعد أن يسكب ماء وجهه وكرامته، ويكتب الرسائل، ويبالغ في الشكوى، وربما لا يحصل عليها أيضاً. ولو افترضنا صحيح ما يقال منذ أمد بعيد بتساوي الذين يعملون والذين لا يعملون، بل ان من يعمل سيخطئ، ويحاسب حساباً عسيراً، فيضطر – غير آسف – أن يصطف مع أرتال الكسالى الذين فضلوا عدم العمل حتى لا يخطئون، بل ويحصلون – مع ذلك – على الزيادات والترقيات. ناهيك عن أنواع اعتقدنا انقراضها من المسؤولين الشرسين الذين ينتعشون عندما يحيلون حياة موظفيهم إلى جحيم. وهذه الفرضية على وجاهتها، فإنها أقل حظاً لأننا في عصر يسهل فيه إيصال الشكوى ومحاصرة السيئين من المسؤولين، ومع ذلك فإن الأمر سيحتاج إلى أكثر من التفات من قبل مقيّمي المسؤولين ومراقبي الشأن الإداري حتى لا يفتك مسؤول بموظفين فقط لأنه مسؤولهم.
في الحالتين، نحن أمام ظاهرة تنمّ عن عدم حب البحريني لعمله، ما يعني عدم الإخلاص له، مما يقود إلى عدم الرغبة في تنميته. وأياً ما كانت النتيجة، فإننا أمام ظاهرة تتنامى اليوم على شكل سخرية وفكاهة، ولكنها لن تلبث أن تتحول إلى واقع إن لم يُلتفت إليها.