العدد 1829
الخميس 17 أكتوبر 2013
أزمة الميزانية الأميركية: “راحوا الطيبين”! غسان الشهابي
غسان الشهابي
ذرائع
الخميس 17 أكتوبر 2013

اليوم الخميس، سيكون على الكونجرس الأميركي التوصل إلى حل في شأن أزمة الميزانية التي تهدد العالم بكارثة اقتصادية جديدة، ربما تكون آثارها أكبر من تلك التي نتجت عن أزمة الديون العقارية في العام 2008، والتي لا تزال نتائجها تضرب اقتصاديات دول العالم ذات اليمين وذات الشمال، وهناك دول أعلنت إفلاسها بسبب الأزمة، ودول أخرى ترنحت أو لا تزال تترنح تحت ضغط الكساد الاقتصادي، والانكماش الاقتصادي، والركود الاقتصادي الذي تسببت فيه هذه الأزمة.
والولايات المتحدة، إن فعلتها هذه المرة ولم تستطع التوصل إلى اتفاق بشأن الميزانية، فإنها ستنقش في التاريخ أنها الدولة التي تسببت في إفقار العالم مرتين متتاليتين في أقل من عشر سنوات. وما ذاك إلا لأنها قاطرة العالم الاقتصادية، فإذا ما ضرب الخلل هذه القاطرة، فإن العربات المقطورة لا شك أنها ستتوقف عن الحركة، أو في أحسن الأحوال ستتحرك ببطء، ولكنها حتماً لن تكون قادرة على دفع القاطرة الأساسية، الرابضة في المقدمة، للحركة من جديد، ولن تستطيع المقطورات الأخرى أن تجر زميلاتها الأخريات. خصوصاً أن الدين الأميركي رسمياً يصل إلى 16 تريليون دولار، بينما تقول دراسات في جامعة كاليفورنيا تشير إلى أن الدين يبلغ 70 تريليون دولار. أي أن الديون الأميركية الرسمية وحدها تساوي الناتج المحلي الإجمالي لكل من الصين الشعبية وألمانيا وروسيا وفرنسا وبريطانيا مجتمعة.
إن الحديث عن الأزمة الأميركية الحالية حديث اقتصادي-سياسي في المقام الأول، لأننا لا نتحدث عن دولة فقيرة في مجاهل أفريقيا، ولا عن أزمة مالية تعصف بدولة من شرق أوروبا، فالدول العربية – ومنها مملكة البحرين – لها مصالح شتى في الولايات المتحدة، لها استثمارات ضخمة، لها مصالح اقتصادية، لها التزامات وعليها مثلها، كما ولها استثمارات في السندات الأميركية تقدّر بحوالي 400 مليار دولار، وهي السندات التي يحوم حولها الشك في قدرة الحكومة الديمقراطية على سدادها من عدمه، وهذا يعني أن فشل الحزبين الرئيسيين في التوصل إلى اتفاق اليوم، سيغرق العالم في فوضى عارمة، وسيزيد من وتائر الأزمات الداخلية في أكثر من بلاد، وسيشجع الإرهاب على التمدد، وسيخرج المتطرفين من جديد، إذ ان ملاعبهم اليأس والقنوط واللاجدوى التي تعصف بالفقراء والشعوب الرجراجة، وقد تزداد سرعة نشوب النزاعات المسلحة، وهذا ما قد يحرّك صناعة السلاح عالمياً وأميركياً، وتعود التروس العملاقة للدوران من جديد بسرعة عالية. وهذا ما سيكون وقود “القاطرة” نفسها حتى تتحرك بدماء البشر، وبتزييت العجلات بشحومهم.
إلا أن المشكلة الأساسية لا تكمن في الاقتصاد والمديونية، فمنذ عقود مضت، والولايات المتحدة معروفة بأنها أكبر دولة مدينة في العالم، ولكن المشكلة الأساسية في مديري السياسة الأميركية، أي المفاتيح الأساسية للقطبين الجمهوري والديمقراطي.
إذ يشهد كثير من المقربين إلى مطابخ صنع القرار في الولايات المتحدة أن الأزمة كان يمكن حلها ببعض التنازلات هنا وهناك، خصوصاً في برنامجي الرعاية الصحية، ورعاية المتقاعدين وكبار السن، وهما البرنامجان اللذان دار حولهما الخلاف الشرس لسنوات وسنوات، وكانا أساس الحملات الانتخابية لأكثر من رئيس أميركي متعاقب، بين معارض لهما (الجمهوري) ومؤيد لهما (الديمقراطي)، وبالتالي، فإن الأمر يتوقف على القدرة الخاصة للمتفاوضين في فرض شروطهم على بعضهم البعض حتى يمكن رفع سقف الدين، وبدء السداد، وفتح الوكالات الفيدرالية التي أغلقت منذ الأول من الشهر الجاري بسبب هذا الشدّ الحاصل بين الحزبين.
بطبيعة الحال هناك من يقول إن ما يحدث في الولايات المتحدة إنْ هو إلا مسرحية معروفة النتائج، معروفة المقدمات، معروفة التكتيكات، القصد منها انهيار أكبر في الاقتصاد العالمي، وذلك لإحكام السيطرة عليه من الجانب الأميركي نفسه الذي سيعلن في الوقت المناسب عودته من جديد للتعافي والإمساك بزمام الأمور.
ولكن، الواضح لدى أميركيين غير مسيّسين، أن هناك تراجعاً كبيراً في رجاحة المتقدمين للانتخابات، بين المتواجدين في الكونجرس اليوم، وبين زملائهم الذين سبقوهم منذ 20 سنة أو أكثر. هذا التراجع يشمل المستوى التعليمي، والمستوى الاجتماعي، الخبرات السياسية، والقدرات الفردية، وغيرها من الأمور المكوّنة للشخصية العامة التي يمكن أن يكون لها صوت في قيادة دولة في حجم الولايات المتحدة، حتى وإنْ قيل انّ هناك سمة عامة، وسياسة عامة تحوم فوق القرارات قبل أخذها، وهي أعلى من الجميع، ومن فردانياتهم، فإن هذه “الغيمة السياسية” ربما تكون عاقراً غير ممطرة إن كانت مكوناتها من أفراد تسلموا زمام السياسة المحلية الأميركية من دون دراية كافية، ولا خبرات مناسبة، ولا شهادات مكافئة، ولا خلفيات وممارسات ذات علاقة مباشرة بالمجالات التي تتم مناقشتها في أروقة الكونجرس اليوم.
اليوم – كما هو الحال في الكثير من الدول العربية المدّعية للديمقراطية - يمارس اللاعبون الأساسيون في أروقة صنع القرار الأميركي لعبة مقاومة الألم، ومن يصيح مستسلماً أولاً، ومن سيفوز في النهاية، وإن تجاوز هذا الأمر حدود المعقول، أو حدود اللعبة السياسية، حتى وإن كُسرت اللعبة، حتى وإن أتى هذا على حساب البلاد وسمعتها الدولية، حتى وإن تسبب هذا في إشاعة الرعب، وإذاعة الهلع بين الناس، حتى لو استخدم الناس كدروع بشرية من أجل تسجيل الفوز في هذه الحرب التكتيكية، حتى ولو أقفلت دوائر حكومية، أو تم تسريح ما يقارب المليون موظف إن لم يتم التوصل اليوم (الخميس) إلى اتفاق بين الطرفين في رفع سقف الدين. فالرئيس الأميركي عازم على عدم التفاوض مع خصومه “والمسدس في رأسه”، فلن يقبل أن يقدم تنازلات بهذه الوضعية، بينما خصومه يرون أنهم كالحيوان الكاسر العاضِّ بأنيابه على رقبة الفريسة ورائحة الدم تستثيره، فهل يُفلتها الآن؟!.
وإنْ ليس في السياسة طيّبون، فإن المقولة الشعبية “راحوا الطيبين” تصدق على ما يحدث في الولايات المتحدة لتراجع الراجحة عقولهم في شأن عصيب وحساس جداً يمكن أن يودي بالعالم إلى مهاوي الإفلاس، ويمكن أن يدقّ مسامير إضافية في نعش تسيّد الولايات المتحدة للعالم وبروز أكبر للأقطاب الصناعية الكبرى، وذلك لقصر النظر والعناد الأجوف الذي لا يقود إلا للإفلاس المادي نظراً للإفلاس الفكري والروحي. وما يصدق على الولايات المتحدة في هذا العناد يصدق على الكثير من الدول الأخرى.. ولنا فيهم عبرة.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .