العدد 1826
الإثنين 14 أكتوبر 2013
ما قالته النخلة للبعوضة غسان الشهابي
غسان الشهابي
ذرائع
الإثنين 14 أكتوبر 2013

يُحكى أن رجلاً كان يتفاخر بقوته، وبعدم قدرة أي شخص - مهما كان – أن يهزمه. وسبق أن حاول كثيرون أن يتباروا معه من أجل الفوز بشرف هزيمته ولم يستطيعوا. حتى أتى رجل وقال له: سأطبق على عنقك بكلتا يدي، ولنرى قوة تحمّلك. ففعل، وانتظر أن تجحظ عينا الرجل القوي، أو أن يحمرّ وجهه، أو أن يطلب إنهاء التحدي والاستسلام، ولكن هذا لم يحدث، بل حدث العكس أن المتحدي تعب وهو يضغط بيديه على رقبة الرجل القوي، وتشنجت عضلاته. حتى أخذ منه التعب كل مأخذ فقال له: حسناً.. الآن سأفك يدي عن رقبتك. فقال له الرجل القوي: مثلي ومثلك، كبعوضة حطّت على نخلة، فلما أرادت البعوضة أن تطير قالت للنخلة: أمسكي نفسك.. سأطير. فردّت النخلة: والله ما شعرتُ بكِ عندما حططتِ.. فهل سأحفل بطيرانك؟!.
ورغم تحريف القصة التراثية لئلا تتعرض لمحظورات قانون النشر؛ إلا أن العبرة واحدة. فهناك بعض من الأفراد والجهات والجمعيات بل وحتى الحكومات على امتداد الكرة الأرضية التي تحاول أن تصطنع أدواراً أكبر من حجمها، وتلبس ما لا يليق بها من ملابس، وتتقافز على الكراسي، وتستعمل مكبرات الصوت وخيال الظل لتبدو أكبر من حجمها الحقيقي في محاربتها للغطرسة الأميركية، وصلف رعاة البقر في تصرفاتهم الرعناء، سواء في الملاحقات لمن يعتبرونهم إرهابيين، بقصفهم بطائرات من غير طيارين، وبالتوغل في أراضي دولٍ مستقلة من دون إذن، أو حتى بإشعار فقط، من أجل القبض على مشتبه بهم، أو من خلال تقوية أجنحة على أجنحة، وجهات على جهات في دولة ما، وتغذية الصراعات، والتدخل العسكري المباشر وغير المباشر أحياناً للإطاحة بحكومات واستبدالها بأخرى، أو إزالة نظام حاكم، سواء كان دكتاتورياً أو منتخباً، وكل ذلك من أجل خدمة المصالح العليا للولايات المتحدة، مهما كان الثمن، ومهما كلفت هذه المصالح من إراقة ماء وجوه أصدقاء القوة العظمى، أو تركهم أضحوكة لشعوبهم، فمديرو لعبة المصالح الأميركية لا يرفّ لهم جفن إزاء الحفاظ على هذه المصالح، ويخططون ويفعلون ما يفعلون بدم شديد البرودة. وهاهي ليبيا والعراق والصومال واليمن وغيرها من الدول العربية والإسلامية يتم اختراقها جهاراً نهاراً ومن دون أن تكلف الإدارة الأميركية نفسها عناء إصدار التوضيحات أو الاعتذارات عما تفعل، لأنه لا يهمها أن تفعل ذلك، ولا أحد يطالبها. وإن طولبت من بعض الأنظمة لحفظ ماء الوجه، فهل ستعطيها الإدارة الأميركية “وجها”؟ ولماذا تعطيه؟ من يكون لكي يُحسب له حساب ويوضع في ميزان العلاقات الدولية مادامت أراضينا ملاعب مفتوحة ونحن عاجزون عن صيانتها؟!.
إن اللعب مع الكبار في أواخر العام 2013، ليس هو نفسه الذي كانت الأنظمة والشعوب المناوئة للسياسة الأميركية تمارسه قبل نصف قرن من الزمان، ومخطئ، بل وقصير النظر سياسياً من يعتقد أنه برفع عقيرته، وبانتفاخ أوداجه، وبتسييره بضعة أشخاص ليعتصموا أمام السفارات الأميركية يكون قد أدى الواجب وأثر في السياسة التي لا تعجبه، بل وخلخل ميزان القوى. فإن كان “الحياء” والجوانب الإنسانية وإكرام صلات القربى والنسب بين بعض الشعوب والآمال والآلام المشتركة، ووحدة الدين واللغة، قد تمنع بعض الأنظمة من أن تتمادى في البحث عن مصالحها لدى الأنظمة الأخرى، فإن اللعب مع الكبار أمر مختلف تماماً، لا يقاس بمقاييسنا المتطابقة مع السذاجة و”الهبل” من وجهة النظر البراغماتية في الفكر الرأسمالي أساساً.
لقد ظل الوطن العربي (تحديداً) لعقود طويلة يمارس الأسلوب ذاته في محاربة القوى الاستعمارية، وأحيانا نسميها قوى التكبر، وأحياناً الإمبريالية، وأحياناً الأنجلوسكسونية، وغيرها من التسميات، بينما السهام التي تصيبنا واحدة، لا قلب لها، مهمتها القتل والفتك فقط، منطلقة من قوس واحدة، ومن يد واحدة، بينما لا قوس لنا نحملها، وأيادينا شتّى، ولم نتوارث إلا الطرق البدائية في التعبير عن رأينا وسخطنا في عالم لا يسمع إلا لغة القوة. وهذه واحدة من نقائصنا، بل هي أم النقائص. إذ اننا نعاني الخَوَر والضعف، في كل مفاصل هيكلها البنيوي، فلا هي التي لحقت بالثورة الصناعية، ولم يكن لها حظ من الزراعة بشكل مؤثر، وليس لها وحدة كلمة يسندها ثقل اقتصادي، وتبعاً لذلك فلا قوة عسكرية لديها، ولافتقاد الرأي الصلب، والتموضع الاقتصادي عالمياً، وقلّة فوّهات المدافع التي لا يمكن الانتصار بها على العدو الخارجي، فيتم توجيهها إلى “العدو” الداخلي، وهو الشعوب العزلاء التي يفتك بها تدنّي الكرامة ويدنّسها، حتى إذا ما انتفضت قيل إنه يتم تحريكها من قوى أجنبية خارجية تريد التدخل في السياسات الداخلية لبلداننا “المحسودة”؛ فكيف – بالله – يمكن أن يأتينا النصر، أو نأتيه، وكيف لنا أن نطالب برحيل سفير دولة عظمى، وبأي وجه أو ذريعة نطالب بتغيير سياسات اللاعبين الأساسيين عالمياً تجاهنا.. باختصار “قذّافيٍّ” بليغ: من نحن؟!.
لهذا كله أشفق على الذين يُقادون بحبال جهلهم وربما حماستهم المفرطة للقتال في الساحة الخطأ وبالأسلحة الخطأ، وفي الوقت الخطأ وبالطريقة الخطأ، وهم يحسبون أنهم بذلك سينتصرون على “عدو” يتفوق عليهم في كل شيء، ومستعد أن يدعس بحذائه الثقيل على هذه الاستعراضات البائسة، وهو في طريقه لتنفيذ ما هو ماض فيه، لأن هذه الأمة – إلى الآن – عاجزة حتى أن تكون مسماراً يخترق هذا الحذاء لتؤلم صاحبه، أو أن تموت بعد أن تسبب التسمم لمن تجاهر (على الأقل) بمعاداته.
فيا أيها المطالبون بما لن يتحقق، أعيدوا حساباتكم، واستعيدوا ما قالته النخلة للبعوضة، واعرفوا أوزانكم وتأثيركم، واصرفوا طاقاتكم في الاتجاه الصحيح بدلاً من العنتريات الفارغة في وقت يمكن أن تباع فيه قبيلة بني عبس بأسرها مقابل الحفاظ على الامتيازات والكراسي.
 

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية