انعقدت القمة العربية في الأسبوع المنصرم في أجواء من التشاحن وبروز الخلافات الجانبية بسبب الأزمة السورية والتحول السياسي في مصر، وذلك ما بين مؤيد ومعارض، حيث مثلت هذه الخلافات تحدياً كبيراً لدول المنطقة العربية.
وانتهت القمة العربية وكان فيها على أقل تقدير من المودة أن التقى المتخاصمون من زعمائها وممثلوهم وصافحوا بعضهم البعض والتقطوا الصور، وذلك ما بين من يرى في هذه المشاحنة أمراً عابراً سيرتفع، وما بين من يرى أن هذه المخاصمة ستستمر وتتصاعد إزاء مؤشر التحديات القائم على الساحة، فلم يكتف المتابع العربي أن يعيش في حالة من التضعضع والانكسار بسبب واقعه المرير، بل أصبح في حالة يرثى لها بعد أن حصلت أمامه تداعيات وخلافات وتشنجات لم تتكرر في حياته من قبل كعربي منكوب بين الأمم.
ويبدو من خلال الخطابات التي ألقاها المتخاصمون من زعماء العرب في هذه القمة أن في كل نفس غصة ونظرة سلبية للآخر تحتاج إلى تصفية للنفوس ورفع للخصومة، فما جرى وما يجري على الساحة اليوم لا يزال يلقي بظلاله على أكبر كارثة تُمنى بها الأمة العربية... إنها كارثة الصراع في سوريا الجريحة، فوفد ائتلاف المعارضة الذي جلس على مقعد تمثيل سوريا في القمة السابقة التي انعقدت في الدوحة بقطر جرى الاختلاف على قدرته على تمثيل معارضة النظام في هذه القمة، وذلك في ظل تشرذم الفرقاء ممن يمثلون المعارضة للنظام السوري وعدم توحدهم تحت قيادة وضمن إطار كلمة سواء توحد صفوفهم في ظل خسارتهم لما اكتسبوه من أراض سورية يوماً بعد يوم.
وإن من المضحك المبكي استمرار قادة القمة العربية في هذه القمة وفي غيرها من القمم بمطالبة مجلس الأمن بالتدخل لحسم الأمور وإنهاء ما يجري في سوريا الجريحة أو في فلسطين الكسيرة، وهم يعلمون أنهم على امتداد قممهم منذ أول انعقاد لها كانوا ومازالوا يطالبون مجلس الأمن بالتدخل لحل القضية الفلسطينية وبعدها الأزمة السورية، ليكون حق النقض (الفيتو) الأميركي حاضراً بالاعتراض على أي إجراء ضد إسرائيل المحتلة وما تقوم به من استهتار وعدم مبالاة، ويكون حق النقض (الفيتو) الروسي والصيني حاضراً ضد أي إجراء يتخذ ضد النظام السوري، الأمر الذي جعل هذا المجلس طوعاً لإرادة الدول العظمى يسيرونه كيفما يشاء ضمن نطاق استغلال النفوذ وتصفية الحسابات على حساب مصلحة الشعوب المنكوبة.
أربع سنوات مضت ولا نسمع تحركاً عربياً مؤثراً بصورة جذرية لحل الأزمة السورية، وست عقود قبلها ومازالت القضية الفلسطينية منذ العام 1967م معلقة ولا تجد حلاً لوقف الانتهاكات الصهيوينة المستهترة، وهناك قمم عقدت وقمم ستأتي لم تجد منها الشعوب العربية أي علاج ناجع لهمومها التي مازالت تتراكم لتلقي بظلالها على المواطن العربي المنكسر.
لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تبقى القمة العربية بهذه الصورة المهزوزة المليئة بالمجاملات البعيدة كل البعد عن مواجهة معطيات الواقع والعمل على رفع المآسي التي يعيشها الشعب الفلسطيني والشعب السوري، وذلك في خضم انشغال كل نظام بنفسه عن هموم الوطن العربي الكبير، وكم نترقب أن يكون انعقاد القمة العربية محطة لإحداث تغييرات جذرية في مجريات الأمور بعيداً عن المجاملات وعدم الجدية في اتخاذ المواقف، وذلك في ظل اتجاه الأوضاع العربية إلى مزيد من التأزيم والبعد عن الاستقرار السياسي والتنمية الاقتصادية الحقيقية المشتركة، فلتعد جامعة الدول العربية حساباتها لتتعرف على جوانب القصور التي انتابتها طيلة العقود الماضية لتعمل على إعادة هيكلة كيانها لتكون قراراتها أكثر تأثيراً ضمن نطاق تفاعل القوى الدولية على المستوى الإقليمي والعالمي.
زبدة القول
قمم عقدت وقمم ستأتي، ويبقى الحال على ما هو عليه بخصوص تأثير هذه القمم على مجريات الأمور التي مازالت قابعة على حالها، فإلى متى سيظل القادة العرب غير مؤثرين ولا قادرين على صناعة تغيير يعكس تماسكهم وتوحيد سياساتهم المشتركة أمام التحديات المتصاعدة التي باتت تهدد لم الشمل العربي في مقتل؟