يبدو في خضم سباق التميز المحموم ضمن مختلف التخصصات والقطاعات أن الإبداع لم يعد متحققاً من خلال نطاق تخصص واحد فقط، الأمر الذي استلزم تحقيق التلاقح بين مختلف التخصصات المقاربة لتخصص ما لإنجاز الإبداع المراد تحقيقه.
كثير أولئك المفكرون والمتخصصون الذين يعرضون أفكارهم على المتلقين فلا يخلو ما يطرحون من فكر يغلب عليه التكرار، ولا يتحقق من خلاله الإبداع في خضم ما نعيشه من سرعة انتشار للمعرفة بمختلف وسائل الاتصال التي تعددت فجعلت نطاق حكر المعرفة ضيقاً إلى حد كبير، وهذا ما ألزم صاحب المقال أن ينوع نطاق خطابه ليستوعب الموضوع من زواياه المتعددة حتى يكون طرحه مميزاً ومبدعاً.
وحقيقة الأمر أنه لم يعد يقتصر تلاقح التخصصات على مجموعة من العلوم التي تندرج ضمن نطاق ما، بل حتم تحقيق الإبداع توسيع نطاق ذلك ليستوعب علوماً قد تكون متباعدة فيما يحققه أصحابها، ومن أجل ذلك فإنك تجد مقدم البرامج الناجح عندما يريد أن يبدع يزاوج بين خطابه الديني ليربطه بخطاب اجتماعي ويزينه بأقوال المتخصصين في علم النفس والفلسفة وهكذا، وفي المقابل تجد المتخصص في هذه العلوم يقرر ما يقوله مستنداً إلى ما قررته المصادر الشرعية المرعية؛ لينعكس الإبداع بصورة أو بأخرى في أسلوبه وصياغته للخطاب الإعلامي الذي يتبناه.
قليل أولئك المبدعون الذين يزاوجون بين معرفة وأخرى ابتغاء تحقيق الخطاب المختلف في شكله ومضمونه ليحققوا من خلال ذلك إضافة علمية جديرة بالاعتبار، فهم معدودون على الأصابع، ويبلغ المبدع قمة إبداعه إذا ربط تحصيله لمختلف فروع المعرفة بما أصلته الشريعة الغراء التي استوعبت بأصولها ونصوصها مختلف أنواع المعارف الاجتماعية والعلمية، بل إن استقراء ما قررته من دلائل يزيد مصداقية الخطاب المتبنى، وكثير من العلوم والمعارف اليوم لا تتحقق في طرحها الرصانة المنشودة دون تعزيز تزاوج المعارف ضمن نطاقها.
وإذا كانت العلوم المستقلة عن بعضها البعض تحتاج إلى تعزيز تلاقح التخصصات لتحقيق الإبداع في طرحها، فإن هناك علوماً تتداخل من خلالها التخصصات المختلفة، الأمر الذي يستلزم استقصاء لمختلف وجهات النظر حولها ضمن إطار مختلف التخصصات، فعلى سبيل المثال إن “علم العلاقات الدولية” يستلزم على المتخصصين فيه – رغم تركزه على الجانب السياسي – الإلمام بالعديد من الجوانب الاجتماعية والاقتصادية مع ربط ذلك بما قررته الشريعة الغراء في تنظيم العلاقات الإنسانية على المستوى الدولي، ومن أجل ذلك فإن الطرح المميز والمبدع في هذا المضمار يمثله ذلك العمل الذي تتلاقح من خلاله مختلف التخصصات المذكورة.
وإذا كان الإبداع من خلال تلاقح التخصصات يتحقق على المستوى الفردي من خلال ما يبذله جانب من المبدعين الذين استطاعوا استثمار طاقاتهم وقدراتهم في سبيل إنتاج خطاب فكري متزاوج ومتنوع، فإن تحقيق الجودة في ذلك يكون بصورة أكثر احترافية من خلال تلاقح أفكار عدة أشخاص متخصصين في مختلف حقول العلوم والمعرفة المترابطة، وذلك من خلال التنسيق في تخصيب الأفكار وتعزيز نطاق تلاقحها ابتغاء تحقيق نطاق أوسع للإضافة العلمية المنشودة التي يتطلع إليها حقل العلم والمعرفة.وإذا كان تعزيز الإبداع من خلال تلاقح التخصصات يمثل حاجة ضرورية في حقل البحث العلمي وما يمثله قطاع العرض الإعلامي لبنات الأفكار لمختلف المتخصصين والمفكرين، فإن بناء منظومته تستلزم ضخ ميزانيات ضخمة لتمويل وتفريغ الباحثين والمتخصصين في مختلف التخصصات لتحقيق ذلك، الأمر الذي يستلزم تحقيق بناء هذه المنظومة على المستوى الرسمي والأهلي، وذلك وفق بعد استراتيجي يرتبط بمعايير استثمارية يمكن من خلالها تحقيق الاستدامة المنشودة في منظومة الإبداع المتحقق من خلال تلاقح التخصصات.
زبدة القول
يبدو أن نطاقات المعرفة الإنسانية لم تعد ترتبط بنطاقات تستلزم التخصص في مجال ما دون النظر إلى ما يتحقق من زخم علمي ضمن نطاق التخصصات الأخرى، الأمر الذي يستلزم مزيداً من الاهتمام بعقد المؤتمرات العلمية المشتركة لدراسة جدوى استفادة مختلف العلوم مما حققته الحقول الأخرى، إلى جانب تبني مشاريع بحثية مشتركة تحقق ذات الغاية لاستثمار تكامل هذه المنظومة المعرفية الخصبة والحيوية.