العدد 1859
السبت 16 نوفمبر 2013
المدنية العمياء أحمد مبارك سالم
أحمد مبارك سالم
وقفات
السبت 16 نوفمبر 2013

 

تبهرني تلك الأبراج الشاهقة، فهي تتزايد بصورة متسارعة قل أن تجد لها نظيرا، وذلك بعد أن كان لا يوجد إلا العمارات التي لا تتجاوز العدة طوابق، وكم يفرح ذلك القلب الحزين أن يجد المرء تنمية وتطويراً ومواكبة لذلك السير الجارف الذي يسمى بالمدنية، وكم أتمنى أن تكون هذه المدنية ذات بصر وبصيرة متفتحة أو حتى عوراء لترأف بحال المواطن المنكوب، ولكنني وجدتها للأسف مدنية عمياء لا تبصر ولا ترى إلا ذاتها، فهي ترفع أقواماً وتضع آخرين، وتغير أوضاعاً، ولكن ليس بالصورة التي تتحول من خلالها أحوال المنكوبين من أهل تلك الدار التي عصفت بها هذه المدنية.

إن هذه الصورة تلخص تلك الحالة التي جنت من خلالها هذه المدنية العمياء على المقدرات، وذلك بصورة تجد من خلالها القلوب تخفق إلى الماضي الذي كان يجد فيها الجميع لقمة العيش، وذلك حتى بات ما بين عشية أو ضحاها فريسة لشيء موهوم لا يعرف كيف انقض وأخذ ينهش في جسده.. المدنية العمياء التي ترفع شعارات الرأسمالية البغيضة التي تزيد الأغنياء غنى، وتضعف أوضاع الفقراء، وتنحسر من خلالها تلك الطبقة التي يسمونها بالطبقة المتوسطة.

وإذا كانت المدنية الصحيحة والموضوعية التي تدار من خلالها الدولة من خلال نظام المؤسسات قد ظلت غائبة عن فرض نفسها على الساحة ضمن نطاق تفاعلات المجتمع على مستواه الرسمي والأهلي، فإن البديل عن ذلك يتمثل من خلال تلك المدنية العمياء التي لا ترقب في الشعوب إلاً ولا ذمة، ولا تعرف إلا سياسة الهرس فهي تقضي بذلك على آمال تلك الطبقة الكادحة التي تضيع بركة مدخولها فلا تكاد تجدها مستقرة في وضع أو حال، كما أنها تظل عاجزة عن مواكبة التحديات التي مازالت تتفاقم عليها بأزماتها بصورة مخيفة تبعد من خلالها حالة الاستقرار الحياتي عنها.

وحقيقة الأمر، إن المدنية بصورتها التي تسود في كثير من المجتمعات تبرز من خلالها تأثيرات من هنا وهناك تكون لها تأثيرات جمة تتقلص من خلالها الطبقة المتوسطة في المجتمع، والتي تظل تعاني من ظاهرة الغلاء التي تظل جاثمة على صدورها بصورة لا ترحم؛ لذلك كان وجود هذه الطبقة ضمن نطاق الفئة الغالبة في المجتمع صمام أمان لاستقرار المجتمع وتحقيق أمنه المجتمعي.

وعلى ذلك، فإن القطاع الرسمي والأهلي ينبغي أن ترتبط من خلاله استراتيجياته بالعديد من المعطيات التي ينبغي أن تحول دون جعل هذه المدنية التي تسود في المجتمع مدنية عمياء وقاسية على أهل هذه البلاد أو تلك، وهذا ما يحتم مزج هذه المدنية بروح إنسانية يتحقق من خلالها التعاطف والتعايش وتبادل المنافع بموضوعية بين مختلف طبقات الشعب وانتماءاته، كما لابد كذلك من اعتماد إطار لتحقيق العدالة والاستدامة والتنافسية ضمن إطار منظومة تحقق من خلالها كفالة رفاه الشعوب، حيث يكون البديل بخلاف ذلك متمثلاً بزيادة الخناق عليهم وتضييق سبل العيش الرغيد عليهم، وهو ما ينذر بانفجار اجتماعي خطير يهدد المجتمع في مقتل، ليغيب عنه بعد ذلك الاستقرار وتنعدم فيه الرحمة في تأطير نطاق التعايش في المجتمع. 

 

زبدة القول

إن المدنية العمياء هي تلك المدنية المتخبطة التي يزيد فيها الأغنياء غنى والفقراء فقراً، تنهدم فيها طموحات الطبقات الكادحة، وتنحسر فيها الطبقات المتوسطة، ويظل فيها المواطن حواليك دواليك في دوامة تعصف بطموحاته وتطلعاته التي ينشدها، فلا يسعفه في ذلك إلا رب الأرباب ومسبب الأسباب فهو المفرج لهموم المهمومين وكرب المكروبين.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .