العدد 1838
السبت 26 أكتوبر 2013
الرياض ستبتعد عن أميركا أحمد مبارك سالم
أحمد مبارك سالم
وقفات
السبت 26 أكتوبر 2013

ربما يكون ما تتداوله وسائل الإعلام في هذه الأيام بداية جديدة ومختلفة للعلاقات السعودية الأميركية، وذلك من خلال ما صرح به الأمير بندر بن سلطان رئيس المخابرات السعودية، الذي نقل عنه أنه أبلغ مبعوثين أوربيين أن المملكة ستجري تغييراً كبيراً في علاقاتها مع الولايات المتحدة احتجاجاً على عدم تحركها بشكل فعال فيما يخص الحرب في سوريا إلى جانب مبادرات التقارب مع إيران، حيث مثل هذا التغيير في الموقف السعودي في العلاقة مع الولايات المتحدة تحولا كبيرا من شأنه أن يلغي وضع التبعية للمملكة للمواقف الأميركية، وجدير بالذكر أن هذه التصريحات قد أعقبت الموقف الرسمي السعودي لرفض المملكة العربية السعودية العضوية غير الدائمة في مجلس الأمن احتجاجاً على ما وصفته بازدواجية المعايير من قبل المجلس.
ولعل مما يستدعي التنبيه أن هذه التغييرات قد تستوعب التأثير في مجالات كثيرة في العلاقات السعودية الأميركية، والتي من بينها مشتريات السلاح ومبيعات النفط بين الطرفين، حيث تحتفظ السعودية بجانب كبير من إيراداتها في صورة أصول أميركية، كما يعتقد أن معظم الاحتياطيات السعودية وقدرها 690 مليار دولار مقومة بالدولار، وهناك قسط كبير منها في صورة سندات خزانة أميركية.
وأعقب تصريح الأمير بندر بن سلطان تصريح للأمير تركي الفيصل شن من خلاله هجوماً غير مسبوق على أداء الإدارة الأميركية حيال ملفات المنطقة، سواء ما تمثل في ذلك بمواقفها تجاه سوريا، أو ما تمثل من خلال ذلك بمواقفها بفتح ذراعيها لإيران، كما أكد الأمير تركي أن القضية الأولى التي تعني السعودية حيال إيران تتمثل في ضرورة عدم حصولها على السلاح النووي، لاسيما في ظل اتخاذ السلطات الإيرانية منذ وصولها إلى السلطة لموقف تصادمي مع المجتمع الدولي.
وحقيقة الأمر، إن هذين التصريحين يمثلان نقطة انطلاق لتصعيد من نوع آخر أعقب اعتذار المملكة العربية السعودية عن القبول بالعضوية غير الدائمة في مجلس الأمن، مطالبة بموجب ذلك بإجراء مزيد من الإصلاحات في سبيل جعل المجلس أكثر فاعلية لصناعة دوره في حفظ السلم والأمن الدوليين، حيث مثل هذا الاعتذار رسالة إلى الإدارة الأميركية – باعتبارها المهيمنة على هيئة الأمم المتحدة - وتعبيراً عن رفض سياساتها في المنطقة، لاسيما بعد المغازلة مع النظام الإيراني إثر اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة.
إن الموقف السعودي قد تضارب مع الموقف الأميركي حيال قضايا المنطقة، وذلك ليس مرتبطاً فيما يتعلق بالمشكلة في سوريا فحسب، بل بما ظهرت عليه الصورة الجديدة للعلاقات الإيرانية الأميركية، كما وسبقها كذلك تضارب في وجهات النظر حول المشهد المصري، حيث أكدت المملكة العربية السعودية وقوفها إلى جانب جمهورية مصر فيما حصل قبل عدة أشهر من عزل للرئيس مرسي واعتماد خارطة طريق لبناء الدولة المصرية بعد الثورة، وهذا ما أبرز نطاقاً كبيراً تمثل من خلاله التضارب والاختلاف في التوجهات بين الطرفين، الأمر الذي كان له أثره في إعلان الأمير بندر بن سلطان أن الرياض ستبتعد عن أميركا مادامت مصرة على اعتماد هذه السياسات في المنطقة، والتي أعقبتها تصريحات الأمير تركي الفيصل بالتأكيد على ذلك.
وعليه، إن العلاقات السعودية الأميركية ترتبط بشكل مباشر مع العلاقات العربية والإسلامية الأميركية، وهذا ما سيؤثر بشكل مباشر على السياسة الخارجية الأميركية تجاه قضايا الشرق الأوسط، حيث أبرزت الولايات المتحدة حاجتها إلى مزيد من التطوير وبناء العلاقات مع المملكة لعلمها بثقلها في المنطقة بعد هذه التصريحات، وهذا ما يقرر التأكيد على أن الموقف السعودي المعدوم – خليجياً وعربياً وإسلامياً - قد يغير كثيراً من معادلات التأثير في المنطقة للدور الأميركي، وهو ما يؤكد أن هذه التصريحات تمثل رسالة غير مباشرة للولايات المتحدة للتنبه إلى مواقفها التي تمس المصالح الخليجية والعربية في المنطقة، وهو ما يقرر أن السياسة الخارجية السعودية تمر بفترة مخاض ستخرج بعدها من نطاق التبعية إلى نطاق التأثير في حراك التفاعل ضمن نطاق المجتمع الدولي، مما سيغير كثيراً من معطيات التفاعل المرتبطة بقضايا المجتمع الدولي.

زبدة القول
تمثل التصريحات السعودية بخصوص تقليص العلاقات مع الولايات المتحدة ما يمكن أن يشكل بداية لنقلة نوعية في إحداث تغيير في السياسة الخارجية الأميركية حيال مختلف قضايا المنطقة، والموقف السعودي إزاء ذلك اليوم لم يعد يمثل نفسه، بل إنه يمثل موقفاً عربياً وإقليمياً سيكون له تأثيره على مجريات الأمور في المجتمع الدولي في المستقبل القريب والبعيد.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية