تمثل ظاهرة غلاء الأسعار في المجتمع إشكالية كبرى تصيب مختلف الطبقات الاجتماعية - الوسطى وما دونها – بالضجر والسأم؛ ذلك أن الغلاء – كما ورد في الدعاء النبوي المعروف – قد قدم طلب رفعه على الوباء والزلازل والمحن، وذلك عندما قال سيد المرسلين (عليه الصلاة والسلام): “اللهم ارفع عنا الغلا والوبا والزلازل والمحن”، وهذا ما يبين لك خطورة ظاهرة غلاء الأسعار على المجتمع.
وحقيقة الأمر، فإن الغلاء الحاصل في واقع اليوم لا يرتبط بظروف عالمية كما يدعي بعض التجار، بل هناك جانب كبير منه مرتبط بجشع التجار أنفسهم وبما يقومون به من استغلال لحاجة الناس باسم الارتباط بظروف اقتصادية عالمية لا ناقة لهم فيها ولا جمل، وهو ما يؤدي بصورة إلى التأثير بشكل مباشر على القدرة الشرائية للمستهلك.
وإزاء ذلك، فإن الجهود الحكومية لمواجهة غلاء الأسعار تمثلت في جانب منها بإنشاء إدارة لحماية المستهلك لا يحس المستهلك بتأثيرها إزاء الغلاء الفاحش في الأسعار الذي يعانيه على أرض الواقع، بالإضافة إلى منح مبلغ عبر ثلاث فئات لمواجهة الغلاء حسب دخل المستهلك المواطن، إلى جانب دعم بعض السلع الضرورية التي يستفيد من دعمها المواطن وغير المواطن، وهي جهود مشكورة إلا أنها باتت غير كافية لمواجهة ظاهرة الغلاء التي مازالت تتفاقم يوماً بعد يوم ارتباطاً في جانب منها بجشع التجار، إلى جانب ارتباطها من جانب آخر بظروف إقليمية وعالمية ناجمة عن الحروب وارتفاع معدلات الإنتاج وما إلى ذلك، ليثار التساؤل بعد ذلك... إزاء هذه الجهود التي تبذل هنا وهناك، ما هي جهود المستهلك نفسه لحماية نفسه من ظاهرة غلاء الأسعار؟.
إن المستهلك المغلوب على أمره لم يتمثل من خلال جهوده في سبيل محاربة هذه الظاهرة إلا من خلال ما مثلته إجراءات متواضعة تمثلت بإنشاء جمعية أهلية لحمايته وهي غير مفعلة، ونسي أو تناسى أن الحل الجذري لمواجهة ذلك يبقى في يده، وهي حكمة نتعلمها من الفاروق، ففي زمنه (رضي الله عنه) جاء إليه مجموعة من المستهلكين وقالوا: “نشتكي إليك غلاء اللحم فسعره لنا، فقال: أرخصوه أنتم؟، فقالوا: “نحن نشتكي غلاء السعر واللحم عند الجزارين، ونحن أصحاب الحاجة فتقول: أرخصوه أنتم؟ وهل نملكه حتى نرخصه؟ وكيف نرخصه وهو ليس في أيدينا؟ فقال قولته الرائعة: اتركوه لهم”، فكان في كلامه حلاً لمواجهة جشع التجار واستغلالهم.
وقد أخذ أهل الأرجنتين بهذه الوصية العمرية عندما رفع التجـّار هناك سعر البيض مرة واحدة، حيث عقدوا اتفاقهم دون أن يفكروا أن هناك من لا يستطيع أن يجد قوت يومه، وقد واجه المواطن الأرجنتيني ذلك بهذه الوصية ولم يقم بالنزول إلى الأسواق ليشتري البيض مادام سعره مرتفعاً، وبعد أيام كالعادة تأتي سيارة التوزيع الخاصة بشركة الدواجن لتقوم بتنزيل الكميات الجديدة من البيض، إلا أنهم يفاجأون بأن أصحاب المحلات يرفضون أخذ كميات جديدة، فقام التجـّار بإعادة الكميات إلى مستودعاتهم وقالوا لنصبر أياماً قليلة لعل وعسى أن يعود المواطنون لشراء البيض، وذلك حتى أحس التجار أنهم قد تورطوا في خسارة كبيرة بعدما رفض الشعب شراء البيض الذي تكدس في الثلاجات والمخازن والمستودعات والدكاكين دون وجود مشتر، وذلك حتى اتفق التجـّار على بيع البيض بسعره السابق قبل الارتفاع، إلا أن الشعب الأرجنتيني رفض أن يشتري البيض مرة أخرى؛ وذلك لكي يلقنوا التجـّار درساً قاسياً لن يعودوا بعده لمثل هكذا أفعال، فعاد التجـّار وخفضوا من سعر البيض مرة أخرى، وذلك حتى اتفق التجّار الخاسرون وهم خاسئون بأن يبيعوا البيض بربع سعره قبل الارتفاع مع تقديم اعتذار رسمي للشعب في الصحف بعدم تكرار ما حدث.
زبدة القول
أمام جشع التجار يبقى الحل بيد المستهلك الذي يستطيع أن يواجه ذلك بمقاطعة منتجات أي تاجر استغلالي يرفع الأسعار دونما مراعاة للناس ولظروفهم، وهذه مسؤولية اجتماعية تضامنية ينبغي أن تتضافر من أجلها جهود المستهلكين لتحقيق التوازن بين العرض والطلب في السوق.