ثلاثة وثلاثون مليون عراقي يتساءلون عن مصير رئيسهم الذي خرج إلى ألمانيا يتطبب منذ سنة ونصف ولم يعد! السيد جلال الطالباني رئيس الجمهورية العراقية، وأمين عام حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، رجل الأزمات الصعبة والتوافق كما يطلق عليه محبوه “مام جلال” وهكذا يحلو له أن يلقب، وتعني بالكوردية العم جلال “الذكي”، ولا أدري ما إذا كان لها مغزى رمزيا وشعبيا آخر مثلما يستخدم مصطلح “العم سام” رمزا شعبيا للولايات المتحدة الأميركية. وبعد طول الغياب أليس من حق العراقيين التساؤل أين رئيسهم؟
الرئيس أصيب بغيبوبة في منتصف ديسمبر 2012 شخصت جلطة دماغية، ونقل إلى مدينة الطب ببغداد، ومنها إلى إحدى مشافي برلين بألمانيا، وحتى اليوم ونحن في مارس 2014، لا نعرف أين هو؟ وما مصيره؟ وفي أي طرف من برلين يقبع، ومن الطبيب الذي يشرف على علاجه؟ وهل وصل فعلا إلى ألمانيا أم غيب في الطريق! وما أكثر المواقع التي تداولت خبر وفاته، وعن سرقة جثمانه، واختفاء ملفه الطبي، وهو ما يثير اللغط والهواجس والشكوك والشبهات بين العراقيين، والجهات الرسمية والمسؤولون الأكراد لا ينفون ولا يؤكدون، ومن فصل لآخر يسربون للصحافة ووسائل الإعلام تحت الضغط أنباء خجولة على استحياء عن تحسن صحته، وعن زيارة فريق طبي أو زيارة زوجته له، بلا صور متحركة تترجم للشعب مدى مصداقية ما ينشر. والأدهى والأمر، من يحكم البلاد يرأس ائتلافا يطلق عليه دولة القانون، فلو كان الائتلاف الحاكم من دولة البطيخ ماذا كنا نتوقع؟ وإلى متى يتساءل الناس، أين الرئيس؟
الموت والمرض قدر الله لا عيب ولا شماتة، يصيبان الصغير والكبير الشريف والخسيس، وإذا لم يكن وراء التكتم سر يُخفى خلف الأكمة فعلام يلف الغموض مصير الرئيس؟ والدورة الرئاسية ستنتهي قريبا ولا يسمح القانون له بالترشح ثانية، وسنضطر إلى تعيين رئيس جديد، إن لم ترثه زوجته العجوز ضمن التركة، فهل يعني عدم المبالاة بصحة الرئيس وأخباره أن السيد رئيس الوزراء يتطلع إلى إلغاء المنصب وتناسيه نهائيا، أم يؤخر الخبر وما يترتب عليه ليوم قادم يستطيع المساومة عليه ضمن المحاصصة بشكل أفضل، أم يخشى أن يثير إعلان رحيله صراعا محموما على من سيخلفه بين المكونات السنية والشيعية والكورد.
في اعتقادي لا هذا ولا ذاك يستدعي إخفاء الحقيقة، إنما الاستهتار بعقول الشعب والاستخفاف بالدستور وقوانين إدارة الدولة. ويمكن القول عن وضع العراق ما نشاء، إرهاب وعنف وتمرد وتفجيرات يسقط ضحيتها المئات في مدن محافظة الأنبار، الرمادي، الفلوجة، الكرمة، الخالدية، التي تحاصرها قوات الجيش والمليشيات، وتقصفها بالمدفعية والطائرات على مدار الساعات، ففي المحافظات ذات الغالبية السنية تفض الاعتصامات والتظاهرات بالقوة، وتهجر المليشيات الطائفية الملايين، ويساق العشرات إلى منصات الإعدام كالخراف، وهناك اصطفاف طائفي وعرقي يطحن المجتمع، وتدخلات إيرانية مريبة مسكوت عنها، وصراع دولي على أيهم يصيب من الكعكة أكثر.
العراق اليوم الأول عالميا في فساد المسؤولين وشيوع اختلاسات المال العام، والأول في انخرام الأمن وعدم الاستقرار، والأول في ارتفاع نسبة الأمراض الخبيثة، وأهله أفقر الناس يأكلون من القمامة وهو أغنى بلاد العالم بموارده الطبيعية، ومع ذلك لا يحتاج إلى رئيس جمهورية، ولا إلى وزراء للدفاع والداخلية والأمن القومي، والمالية، الشاغرة منذ أربع سنوات، فمن الذي يحكم العراق اليوم ويتفرد باتخاذ القرار؟ وهل توجد فوضى خلاقة أغرب وأعجب من هذه الفوضى التي نحن فيها؟
والأغرب من كل ذلك هناك انتخابات نيابية رئاسية على الأبواب فيها اجتثاث وتطهير وانسحابات وتصفية حسابات، فما المستقبل الذي ينتظر العراق أو يمكن تصوره في ظل حكومة الأستاذ المالكي. وخلف من يسير العراق؟ وإلى أين؟ الله أعلم! ولكن يا شعبنا الجريح المستباح إذا كنت لا تعرف أين ومن هو رئيسك؟ هل يمكن أن تعرف شيئا عن مستقبلك؟.