هذه ليست نكتة وإن حملت مضمونا فكاهيا أوفى وأكبر، وليست لغزا يحتاج إلى فك رموزه أو إشاعة مغرضة، ولا عنوان قصيدة أو قصة خيالية، هذا واقع قائم مؤلم ومن لا يصدق يتحسس رأسه، في أمة لم تعد تعرف وجهها من قفاها! فمن يعرف قصة تنصيب الرئيس بوتفليقة رئيسا للجزائر لا يستغرب ترشيحه لدورة رابعة على كرسي الإعاقة!
كان بوتفليقة ضمن الفريق العسكري لجبهة التحرير الجزائرية، وبعد الاستقلال شغل منصب وزير الشباب وعمره 25 سنة ثم وزيرا للخارجية، وبعد وفاة الرئيس بومدين دفع عشر سنوات من عمره في منفى اختياري ثمن ولائه المطلق للرئيس الراحل، حتى كاد ينساه الناس أو نسوه، ليتذكره العسكر بعد اغتيال بوضياف خلال أشهر ولايته الأولى، فيستدعى ويحشر مرشحا مستقلا لانتخابات الرئاسة مدعوما بمؤسسة الجيش لخلفيته العسكرية، على أمل أن يبقى وفيا للجيش وطوع توجهات قادته، وقبل الانتخابات بيوم واحد انسحب سبعة مرشحين لهم أدوار سابقة في الحياة السياسية، بعد التأكد أنها ستكون انتخابات مغلقة وأن بوتفليقة الرئيس القادم شاءوا أم أبوا، وأطلق عليه وقتها الرئيس المستورد!
مرت السنوات الأربع الأولى والرئيس أمين على تنفيذ سياسة المؤسسة العسكرية، يتأرجح بين الإخفاق والنجاح، لكنه وفق نسبيا فيما بعد في إجراء إصلاحات وتوصل لاتفاق المصالحة مع المتمردين الإسلاميين، فتوافر للجزائر استقرار أمني نسبيا كافأه عليه الشعب الجزائري بالانتخابات التالية، أما هو لم ينس انتماءه الأمازيغي فجعل من اللغة الأمازيغية لغة ثانية على حساب اللغة العربية التي بدأ سلم تراجعها، لتشهد على زمانه اضعف عصورها، وقبل نهاية دورته الرئاسية الثانية انضم إلى طابور الرؤساء الذين إن جلسوا على كرسي الرئاسة لن يغادروه، عدل الدستور ليسمح له برئاسة ثالثة ورابعة محتذيا بالرئيس بورقيبة الذي عدل الدستور ليبقى رئيسا مدى الحياة، وبعد إصابته بالخرف أزيح بانقلاب زين العابدين بن على الذي سار على نهج سلفه، والأمثلة كثيرة “السادات ومبارك بمصر، والقذافي في ليبيا، وعلي صالح في اليمن، وحافظ الأسد بسوريا الذي حولها إلى رئاسة وراثية فخلفه ابنه”، لتصيب لعنة الربيع العربي الأحياء من هؤلاء الرؤساء.
منذ ثلاث سنوات لم يتحدث بوتفليقة إلى شعبه كونه منهكا مرضيا، وما كان الجزائريون يختلفون كثيرا على ولايته الرابعة لو كان سليما معافى، لكن الرئيس من ابريل الماضي أصيب بجلطة دماغية قضى بسببها ثمانين يوما في مشافي فرنسا نصفها غائب عن الوعي، ولم يستطع الطب الحديث إعادة الحيوية إليه، وسبحان من يحيي العظام وهي رميم، ظل بوتفليقة عليلا مقعدا على كرسيه محتجبا عن الأنظار، لا يقدر على شيء مما كسبت الرئاسة، وكنا نتمنى للجزائر عرسا انتخابيا وموسما خصبا تعود فيه للشعب إرادته الحرة في انتخاب رئيس شاب، لا رئيس يطوف حملته الانتخابية على نقالة إن استطاع، خصوصا بعد الجدل الذي دار بين إدارة المخابرات العسكرية وإدارة الأركان، وبين العسكر والأمانة العامة لجبهة التحرير، وتلاسنهم على وسائل الإعلام، ودخول الأحزاب على الخط، وكنا نظن العسكر والرؤساء وأنصارهم اتعظوا وتعلموا من أحداث الربيع العربي، ولكن لا حياة لمن تنادي.
الرئيس مرشح العسكر فائز لا محالة، فهو لا يريد الترجل عن كرسيه مخافة أن يصيبه ما أصاب مبارك من المساءلة وأشد، وتلافيا لإحياء ملفات فضائح أيام طويت ونسيت أولا، وثانيا يود الرئيس أن يقضي نحبه ويشيع من قصر الرئاسة إلى قبره بموكب رئاسي تحضره وفود الرؤساء والأمراء لا أن يشيع كرئيس أسبق أو سابق. أما المؤسسة العسكرية فرأت ما عاش بوتفليقة على كرسيه مشلولا ستضطلع بمهامه وكالة، وعند رحيله يكمل نائبه من المؤسسة العسكرية وجبهة التحرير مدة ولايته، وهناك متسع لاستيراد بديل جديد، والسؤال هل يليق بشعب جبار كالشعب الجزائري رئيس كهل قارب الثمانين، مثقل لا يستطيع قضاء أية حاجة إلا بمساعدة، أليس لله في خلقه شؤون.