تعرف الحرية بالتحرر من القيود المادية والمعنوية، وما يعيق طاقات الفرد والمجتمع، ومن عبودية الأشخاص والجماعات، وقهر الضغوط والفرض والإجبار، وتعد الحرية اليوم أهم قضايا الشعوب والمجتمعات سياسيا واقتصاديا وثقافيا، وهي جزء من الفطرة الإنسانية، وللخليفة عمر ابن الخطاب تساؤله: “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا” وجبل الإنسان على مقت الخضوع، والتطلع لامتلاك زمام قراره، ويحرص الإسلام على تعميم الحرية بكيفية منتظمة، لا سائبة ولا مطلقة، حرية واعية منضبطة، بأحكام الدين، ونطاق العقل، وحدود الأخلاق، ومصلحة الجماعة، وحفظ حقوق الآخرين. ويجب الله تبارك وتعالى عن الإنسان الفرض والإجبار بقوله، (فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ) الكهف 29، وقوله: (لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) البقرة 25، ويقول: (أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) يونس 99، وقال جل جلاله: (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ) الغاشية21 ويواجه مفهوم الحرية إشكالية عقائدية فلسفية أثارت الجدل بين المخير والمسير، والمطلق والمقيد، وصنف الفلاسفة الحرية إلى: سالبة وموجبة، داخلية وخارجية، فردية واجتماعية، والكلام يطول.
ولم أجد لادعاء المعارضة فيما قرأت وسمعت وضمن سلوكها مفهوما محددا للحرية تأخذ به، إنما هي ترنيمة وتغريدة تطلق بمناسبة وغير مناسبة، تتباكى على الحريات وتتظلم، بيد أن سلوكها العام لا يوحي إلا بالعدوانية على حرية الآخرين، فشعب مملكة البحرين يتمتع بمساحة كاملة من حرية التعبير والاعتقاد وممارسة الطقوس، وتمارس وسائل الإعلام حرية التعبير بما لا تسمح به دول متقدمة لها باع طويل في التجربة الديمقراطية. فيمكنك في البحرين انتقاد أداء الحكومة والبرلمان، وتقييم أداء الوزارات والمؤسسات بحرية وصراحة، والخوض بقضايا سياسية عربية ومحلية شائكة وحساسة ولا تتعرض للمساءلة، ولو تماديت بالعتاب والحساب، فحرية التعبير والنقد البناء متاحة للجميع، وبإمكان أي فرد أن يدلي برأيه في الاقتصاد والسياسة والإدارة والثقافة، وتطرح وسائل الإعلام دائما قضايا الإسكان وارتفاع الأسعار وتناقشها بشفافية، ويطالبون بزيادة الرواتب، وتعديل الحد الأدنى، وإنصاف المتقاعدين، ويعرض المواطنون والمقيمون مشاكلهم واحتياجاتهم بصورة يومية، ويرخص لكثير من التظاهرات السياسية السلمية، وهذا هو المستوى المتعارف عليه من الحريات المجتمعية في أفضل دول العالم.
لكن المعارضة بصراحة لا تكتفي بذلك، تريدها حرية مطلقة، لتتجاوز على حقوق الغير بفرض منطلقاتها، وتتطاول على الرموز الدينية والتاريخية والوطنية، والنيل من القيادة، وممارسة السب والتهديد والوعيد، وكتابة الشعارات المقززة على الجدران دون حرمة للملكية الخاصة والذوق العام، ترى الحرية في سكب زيوت المحركات المستعملة وحرق الإطارات على الطرق لقطعها، وسكب القمامة في الشوارع، والتجمهر في الميادين وتعطيل السير وحركة الناس وأعمالهم، وتفجير قناني الغاز ليلا لإثارة الرعب في قلوب الآمنين وترهيبهم. مستغلة انفتاح الدولة وحرصها على رعاية جميع مواطنيها بمسحة الأبوة والتسامح.
ويحرص إعلام المعارضة على الحشد الطائفي، والتجمهر بصخب، والتحريض على الشغب، وعدم الالتزام بسلوك التظاهر السلمي، وتشيح المعارضة بنفسها عن إدانة الاعتداءات والتجاوزات العدائية على قوى الأمن، بل تشجع المغرر بهم على تحدي رجال الشرطة وتصعيد وتيرة العنف، وتهديد السلم الأهلي، وتدفع بالشبان والصبيان إلى استفزاز دوريات الشرطة، يلاحقونها بقذف أسياخ الحديد والحجارة وقنابل المولتوف، وإحراق سياراتهم، وزرع المتفجرات، ولا يستمعون لنصح ولا تحذير دأبهم دأب قوم نوح * قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا * وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا *.
ويستشهد أربعة من رجال حفظ الأمن برصاص المشاغبين وقنابلهم، ولا يجرح أو يقتل مشاغب واحد، فهل يوجد انضباط وحرص لدى قوى الأمن على الحياة أكثر من ذلك، وأي إرهاب أكثر من تعرض الشرطة للحرق والقتل والدهس والاعتداء، فإلى متى يعفى المدانون بالجرائم ويطلق سراحهم مرة تلو أخرى لعيون المعارضة، ويعاد من تركوا دوائرهم ومعاملهم والتحقوا بالفوضى وتسببوا بشل أنشطة المؤسسات إلى جهاز الدولة بذريعة الاستجابة لتشفع المعارضة وحرصا على إدامة أجواء المصالحة والتآخي ليعاودوا الكرة، وفي كل مرة يزدادون عتوا ويوغلون بالشطط ولا نقول إلا * رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا*.