العدد 1956
الجمعة 21 فبراير 2014
الجزائر أرض الإسلام ومليون ونصف شهيد (3) د.عمران الكبيسي
د.عمران الكبيسي
الجمعة 21 فبراير 2014

أحب الشعب العربي بن بلة مكافحا وأول رئيس للجزائر رمزا لحب الجزائر وتقديرا لشجاعة شعبها وتضحياته، وبقي رغم عزله واعتقاله يحظى بالاحترام، واستطاع أن يعزز ثقافته الدينية بقراءة الكتب الإسلامية في السجن، وبعد الإفراج عنه تفرغ لخدمة قضايا الأمة حتى وافاه الأجل، بينما انعكس رد الفعل لطبيعة الانقلاب العسكري سلبا على حكم الرئيس بومدين وغدره برفيق الكفاح، خصوصا أنه لم يتغير النهج السياسي، وظل كل شيء مربوطا بسياسة حزب الجبهة الحاكم. وغابت معالم الديمقراطية وإن وجدت انتخابات، لكنها افتقدت المشاركة السياسية والتعددية، بفعل هيمنة العسكر، مات بومدين 1979 تاركا دولة اشتراكية وحكومة موحدة، واقتصادا صناعيا، وقطاعا ضخما للمحروقات، ونظاما سياسيا مستقرا، ولم يترك نائبا فخلف غيابه فراغا سياسيا.
اختير العقيد الشاذلي بن جديد أكبر الرفاق سنا، وجرى انتخابه للرئاسة شكليا، وظل مترددا في قراراته حذرا لم يخرج عن سياسة سلفه حتى أعيد انتخابه باستفتاء 1985 بنسبة 95 %، فغير طاقم الحكومة كما يريد، وانتهج سياسة الانفتاح وفتح الاستيراد الخارجي وحرر الأسعار عملا باقتصاد السوق، وقام بإصلاحات وحارب الفساد وأنشأ مرصدا لحقوق الإنسان، فجاءت نتائج سياسته الاقتصادية عكسية، ارتفعت الأسعار وتفشت البطالة وساءت الأحوال وانخفضت أسعار النفط فتفجرت التظاهرات العارمة 1988، تلتها إضرابات واعتصامات، وهجمات على مراكز الشرطة والبريد والحزب، قتل فيها الجيش نحو 500 شاب. فاضطر الشاذلي إلى الاعتذار على التلفاز طالبا الصفح ومعترفا بأخطاء الجيش ليحجم دوره في السياسة، وألغى حالة الطوارئ، وأعلن استفتاء على تغيير جذري ودستور يأخذ بديمقراطية الدولة والمجتمع، فعزز موقعه كرئيس ديمقراطي من ناحية وزعزعه من ناحية أخرى حين رخص لحزب إسلامي، وآخر للشيوعيين بدخول انتخابات تعددية ظفر فيها الإسلاميون بفوز ساحق “85 % من الأصوات”. أثار حفيظة الجيش وخشيت عساكره فقدان مراكزها، وتظاهر العلمانيون ونقابات العمال منددين بهيمنة الإسلاميين فحصل ما حصل بمصر أخيرا.
ألغى وزير الدفاع نتائج الانتخابات وأجل الانتخابات القادمة، واستقال الشاذلي أو أرغم، وعطل مجلس الشعب، ونزلت الدبابات إلى الشوارع، وتشكل مجلس للدولة بسلطة سياسية واستدعي محمد بوضياف، أحد زعماء الثورة التاريخيين، من منفاه الطوعي، لقيادة المجلس، ممثلا لرئاسة الجمهورية. واستخدم العسكر تقاليد القمع الفرنسية ضد الإسلاميين، منع النشاط السياسي، وطوقت المساجد، واعتقل عشرات الآلاف بتهم حيازة أسلحة ومقاومة وتمرد، وعذب بعضهم حتى الموت، وسجن الكثير بلا حق للطعن ونقلوا إلى الصحراء، وهاجر من هاجر هربا. وسادت دولة المخابرات. وأصبح الاشتباه على اللحية. مما دفع بالإسلاميين إلى الرد بعنف، وتشكلت مجموعات مسلحة عديدة احتمت بالجبال وتفشت حرب ضروس بين الجيش والإسلاميين لسنوات ذهب ضحيتها نحو ربع مليون ضحية من الطرفين، كان من آثارها اغتيال الرئيس على يد احد حراسه العسكر 1992، قيل بتآمر العساكر لمحاولته إيقاف تدخلهم في السياسة.
تولى العقيد علي كافي رئاسة المجلس الأعلى للدولة بعد بوضياف سنة ونصف في ظروف معقدة تفاقم فيها العنف والعنف المضاد، وتصاعدت المجازر وعرف الجيش انقسامات حادة وصراعات بين فريق استئصالي يرفض الحوار مع الإسلاميين، وآخر يرغب فيه لغاية منتصف 1994، ليتولى رئاسة الدولة وزير الدفاع اللواء اليمين زروال “رجل النار والحوار” كما يحلو للبعض تسميته، واستعان بمستشاره قائد الأمن اللواء محمد بتشين، وفي 16 نوفمبر 1995 نظمت انتخابات رئاسية فاز بها زروال الرجل الذي عرف بحزمه واستقامته وهو من بدأ مسيرة الحوار، ولكنه أخفق رغم نجاحه في تخفيف العنف نسبيا، وحين شعر بوجود تسويات بالخفاء أعلن تنحيه 1998 ودعا إلى إجراء انتخابات رئاسية مسبقة.
رشح الرئيس الحالي عبدالعزيز بوتفليقة المقيم بدولة الإمارات العربية نفسه لدخول المنافسة الرئاسية مرشحا حرا مستقلا أمام سبعة مرشحين، هم حسين آيت أحمد، ومولود حمروش، ومقداد سيفي، وأحمد طالب الإبراهيمي، وعبدالله جاب الله، إلى جانب يوسف الخطيب، انسحبوا جميعا من المعترك في آخر لحظة بطريقة لا تخفي على احد تدخل الجيش فيها، ليصبح بوتفليقة رئيسا للبلاد عام 1999 ومازال حتى اليوم.
ونخلص من هذا العرض السريع أن الجزائر تخلصت من قهر الاستعمار الفرنسي ليحكمها العسكر وجبهة التحرير بقبضة أمنية وقهر وطني، فلم يتح للشعب اختيار قيادته بحرية وسبل ديمقراطية تؤمن بالتعددية، وعلى الرغم من مرور نصف قرن على تحرير الجزائر مازالت تعاني العنف وتبعاته وعدم استقرار الاقتصاد على ما تمتلك من طاقات وثروات طبيعية، وسنتابع مسيرة الجزائر في عهد بوتفليقة الذي قد يرشح نفسه لرئاسة قادمة متحديا تقدمه بالسن ومرضه، وعدم قدرته على توقيع القرارات، وظهور بوادر صراع يؤذن بالتفجر لا قدر الله.. نتمنى للجزائر السلامة، وللحديث صلة.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .