العدد 1955
الخميس 20 فبراير 2014
الجزائر أرض الإسلام ومليون ونصف شهيد (2) د.عمران الكبيسي
د.عمران الكبيسي
الخميس 20 فبراير 2014

انطلقت المقاومة الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي من أول يوم وطأت فيه جيوش الفرنجة الغازية أرض الإسلام بـ 120 ألف جندي، حيث قاد الأمير عبدالقادر الجزائري طلائع الجهاد عام 1832م، واستمرت ثورته 15 عاما مارس الفرنسيون فيها حرب إبادة البشر والطير والشجر والحجر، ليبثوا الرعب والهلع في نفوس الشعب المسلم، واستمر السجال ما إن تخمد ثورة حتى تلتهب أخرى، ولم توقف وحشية المحتلين وسياستهم بالأرض المحروقة والتصفية الجسدية الثورة، وإن أطالت أمد مكوث الاستعمار 132 سنة، ترك الفرنسيون فيها جروحًا عميقة في جسد المجتمع أوقفت النمو الاجتماعي والثقافي الحضاري.
جهز الفرنسيون حملات تبشيرية آخذين بسياسة التنصير للقضاء على الإسلام وإعادة هيمنة الكنيسة على كل أفريقيا ومحو اللغة العربية وطمس ثقافتها، لا مدارس ولا تعليم بالعربية، وإن رخصوا بتدريسها فباللهجة العامية، مقابل انتشار مدارس الرهبان وتعليم اللغة الفرنسية، واستبدال الجنسية الجزائرية بالفرنسية، ومحاولات التفرقة بين العرب والأمازيغ ولكنهم باءوا بالفشل لتمسك الشعب الجزائري بعقيدته الإسلامية، ورفع شعار “الإسلام ديننا، والعربية لغتنا والجزائر وطننا” الذي طرحته جمعية العلماء المسلمين الجزائريين برئاسة المجاهد عبدالحميد باديس عام 1931 وأخذت على عاتقها نشر التعليم الديني بالعربية.
اندلعت الحرب العالمية الثانية وانهارت فرنسا أمام ألمانيا وبدا ضعفها، فتعززت المقاومة وظهرت عدة تنظيمات سياسية كحزب الشعب الجزائري لمؤسسه مصالي الحاج مؤيدا الكفاح المسلح، وتقدم فرحات عباس بمبادرة سلمية لاستقلال الجزائر واتحادها مع فرنسا، رفضتها فرنسا واستمر الكفاح المسلح والثورات المحلية وإحراق العلم الفرنسي في المدن الجزائرية مما أغضب المحتلين فارتكبوا مذبحة رهيبة سقط فيها 45 ألف شهيد، وكانت أذانا لانفجار الثورة الشاملة، أعد لها بجمع السلاح والأموال من منافذ عربية “مصر والعراق والجامعة العربية” وتم إنشاء جبهة التحرير الوطني وجناحها العسكري عام 1954 تاريخ انطلاق العمل المسلح المنظم لاسترجاع السيادة الوطنية وإنشاء دولة ديمقراطية اجتماعية في إطار المبادئ الإسلامية، واستخدم الثوار حرب العصابات وهي الوسيلة الأكثر ملاءمة لمحاربة قوة جرَّارة مجهزة بأحدث الأسلحة التي افتقر إليها الثوار مكتفين بما تيسر.
دامت ثورة التحرير الجزائرية سبع سنوات ونصف من الكفاح المسلح والعمل السياسي، لقبت فيها الجزائر بلد المليوني شهيد سقطوا ثمنا للتحرير. وجاءَ الاستقلال بعد رضوخ فرنسا لخيار الاستفتاء وتقرير المصير انتصر فيها صوت الثورة بأغلبية ستة ملايين للاستقلال مقابل ستة عشر ألف رافض، فأعلن الجنرال ديغول عبر التلفزيون الاستقلال، واعتبر يوم الاثنين 5 يوليو 1962 التاريخ الرسمي لاسترجاع السيادة الوطنية التي سلبت في ذات اليوم من سنة 1830. وعودة مليون فرنسي معمّر لبلاده، واعترفت فرنسا فورا بالاستقلال. ونقلت السلطات إلى هيئة تنفيذية مؤقتة خلال ثلاثة أسابيع لانتخابات وتشكيل جمعية وطنية تتسلم السلطات.
وكانت أهم مجالات التنسيق الدبلوماسي الجزائري تتم عن طريق القاهرة وبدعم شخصي قوي ومتواصل من عبدالناصر لمعظم النشاطات السياسية والدبلوماسية لجبهة التحرير الوطني والحكومة الجزائرية، ولذلك أرادت فرنسا باشتراكها في العدوان الثلاثي على مصر بالتعاون مع إسرائيل وبريطانيا عام 1956 أن تثأر من مصر لدعمها الجزائر ولتأميمها قناة السويس دعما للمشروع الإسرائيلي، ولكن الله خيب مساعيهم، واستمر دعم القاهرة حيث استضافت مقر الحكومة الجزائرية المؤقتة 1958 قبل الاستقلال واحتضنت الجزائر بعده.
وقبيل الاستقلال الجزائري وبعيده نشبت خلافات بين الثوار وحصلت حركة اغتيالات كادت أن تتحول إلى حرب أهلية بين الرفاق، حسمها قائد الأركان بومدين بتعيين أحمد بن بلة رئيسا للدولة، فجاء بحكومة غالبيتها من العسكر والأصدقاء المقربين، انتخبوا كونهم قادة الثورة التاريخيين، لا لكفاءة وجدارة سياسية. وجاء دستور للبلاد، مشرعا الاشتراكية خيارا لرئاسة قوية نافذة وسياسة الحزب الواحد، جبهة التحرير وإن تضمن الدستور تأكيدا لإسلامية الدولة وعروبتها، وكان بن بلة مهووسا بحركات اليسار الاشتراكي العالمية فاختلف مع جمعية العلماء الذين ذكروه بدور الإسلام في الثورة فزج برئيسها البشير الإبراهيمي في الإقامة الجبرية حتى موته، وكانت بداية القطيعة مع التيار الإسلامي.
ولتدني مستوى الأداء السياسي والحضاري لحكومة بن بلة لم تدم طويلا. حدث انقلاب عسكري حيث أطاح قائد الجيش بومدين بصديق العمر بن بلة 1965 في عصر سيادة الانقلابات والغدر بالرفاق على عادة العسكر، كما حدث لعبدالناصر مع الفريق محمد نجيب بمصر، وعبدالكريم قاسم مع عبدالسلام عارف في العراق، وحافظ الأسد مع رفاقه البعثيين وعلى رأس القائمة صلاح جديد وأمين الحافظ بسوريا، والقذافي مع جلود، وحكمت الجزائر بسياسة أمنية عسكرية لم تدع أية مساحة للتطلعات الديمقراطية، أدخلت البلاد بموجة العنف، وسنتناول في الحلقة القادمة ملامح الحكم الوطني باختصار قبل الولوج في صراع الانتخابات الجزائرية القائم اليوم.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية