العدد 1949
الجمعة 14 فبراير 2014
قراءة في اليمن الاتحادي الجديد (1) د.عمران الكبيسي
د.عمران الكبيسي
الجمعة 14 فبراير 2014


قد يبدو اهتمامنا باليمن لافتا لنظر بعض القراء ممن لا يعرفون اليمن ولا يدركون مدى خطورة انهيار الدولة والانفلات الأمني في هذا البلد العربي العريق لا قدر الله، ولا آثارها على الأمن القومي العربي وخصوصا الخليجي برا وبحرا، فاليمن يشكل وحدة جغرافية ذات كتلة واحدة متكاملة مع شبه جزيرة العرب، تربطه بالمملكة العربية السعودية وسلطنة عمان، حدود طويلة متداخلة ومفتوحة، وعرة ومنبسطة أحيانا، ويتحكم اليمن بمنافذ بحرية مهمة لمصالح الخليج وتجارته وخطوط مواصلاته النفطية العالمية؛ بسبب تحكمه بمضيق باب المندب وسواحل خليج عدن وبحر العرب، كما أن تعداد سكان اليمن يفوق تعداد سكان دول مجلس التعاون الخليجي العرب مجتمعة، ونخشى بدلا من أن يكون اليمن قادرا على النهوض بنفسه وعونا ومعينا للعرب في قضاياهم، يصبح عبئا أمنيا واقتصاديا عليهم ولاسيما بمنافذه البرية والبحرية الميسرة للهجرة واللجوء، لو حدث لليمن ما يحدث بسوريا ولبنان والعراق وفلسطين والصومال، فيضيف إلى كوارث العرب مأساة جديدة، ولذلك ينبغي التنبه والتحسب قبل وقوع الفأس بالرأس ولات حين مندم.
مشروع اليمن الاتحادي الجديد جاء تتويجا لحوار وطني مطول ومعمق بين جميع الكتل والمكونات اليمنية بعد ثورة الربيع العربي الشعبية السلمية، التي أطاحت برئاسة علي عبد الله صالح، وجهود دولية وعربية خليجية مازالت قابلة للنجاح رغم تعثرها أحيانا، للصعوبات التي تواجهها بسبب تعقيد الحالة اليمنية وتعدد أطراف الصراع والتدافع. وتمسك كل طرف بخصوصيته، ووجود تدخل خارجي طرفاه إيران التي تبذل المال والسلاح للحوثيين بلا حدود ولا محاذير، وإلا من أين يأتيهم هذا العتاد الذي حاربوا به الدولة وجيشها في ست معارك طاحنة في أقل من عشر سنوات لم تضع حدا لتجاوزاتهم، واستمروا بتحديهم للحكومة؟ ولماذا مثلا لا يكون للحراك الجنوبي السني سلاح بحجم ما للحوثيين؟ مع أن أهل الجنوب أكثر غنى وثروة وتجارة؟ لكنها الأطماع الفارسية كفانا الله شرها, وكذلك تمركز القاعدة في الجنوب الذي مهد لتدخل أميركي بطائرات من غير طيار زادت الطين بللا بما أوقعت من ضحايا بريئة أعطت للشباب محدودي الثقافة عذرا للانخراط بدوامة الإرهاب بذريعة مقاومة الغزو الغربي بلا وعي، وجميعها أضافت إلى إشكالات اليمن القبلية والطائفية عوامل فرقة عمقها الفقر والمرض والجهل، في دولة قريبة من منابع البترول وما فجرت ثروته من ثورة مادية مبهرة في محيط اليمن المعاصر.
إن تحول اليمن إلى دولة اتحادية خطوة إيجابية للحفاظ على وحدة اليمن المهددة بانفراط العقد، ولكنها في هذا الوقت العصيب سلاح ذو حدين، فلم تعد أمام اليمنيين خيارات متاحة لأي فريق، حيث المفترق الآن في منتصف طريق باتجاهين يؤديان إلى السلامة، وهو ما نرجوه ونتمناه أو الندامة التي لابد أن يصيبنا طرف من سيول لعنتها. أقاليم اليمن الاتحادي لو كتب لها النجاح ستوقف مؤامرات التقسيم شمالا وجنوبا، وتمهد لوطن متماسك فيما لو صدقت النوايا وتوخي السياسيين تطبيق توزيع عادل للثروات، وعدالة اجتماعية وتكافؤ فرص، فالإطار العام للتحول الجديد المعلن مبدئيا، يمتلك آفاقا مستقبلية رحبة ومرنة للتغيير الديمقراطي وخيارات المواطنين في كل إقليم لو استقرت الأحوال واستتب الأمن وتهيأت لليمن أجواء أفضل بعد دورة انتخابية قد لا تتجاوز أربع سنوات، وهي ليست طويلة في خارطة النهوض بعد كبوات متلاحقة.
إن اقل ما في هذه المبادرة أنها جمعت أطراف اليمن المترهل بكثرة عدد محافظاته التي بلغت اثنتين وعشرين محافظة، تتباين في مساحتها وعدد سكانها بنسب غير مقبولة منطقيا، محافظة بخمسين ألف نسمة كسقطري، وأخرى بمئة وخمسين ألف كالمهرة، ومحافظة بأربعة ملايين أو ثلاثة كتعز والحديدة، جمعتها في ست أقاليم تحفظ بعض التوازن الديموغرافي والإداري، بما يضمن الإفادة من الخبرات والمهارات والموارد بكفاءة أعلى مهنيا وفنا، وكذلك تحظى المبادرة بتأييد أكبر التجمعات السياسية، التجمع الوطني للإصلاح، وحزب المؤتمر الوطني، وأحزاب وطنية دينية وقومية وعلمانية كالناصريين والبعثيين، ولا يعارضها سوى الحوثيين ودعاة الحراك الجنوبي، ممن لهم طموحات انفصالية مشبوهة تقطع ولا تجمع.
 هذه المقالة غيض من فيض الأبعاد التاريخية والقومية والسياسية والرؤى الإيجابية للتوزيع الإداري الجديد، الذي لم تسمح مساحة المقالة بعرضها، وسنتواصل معكم غدا أو بعده إن شاء الله.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .