كثيرا ما أشفقت على وزارة الصحة مما يكتب فيها وعليها في الصحافة، فلا أكاد أفتح صحيفة إلا وأجد فيها مقالا يتضمن نقدا حادا وسخرية أقرب إلى الهجوم منها إلى النقد، وأعلل هذا بأنها وزارة خدمات، وصاحب الحاجة أعمى لا يرى إلا قضاءها، فلا يضطر إلى مراجعة المراكز الطبية والمستشفيات إلا المريض المتألم والمعكر المزاج، ومن الطبيعي حينما لا يجد ما يرضيه يثور ويبالغ في مأساته وما أصابه، ونعرف أن الشفاء بيد الله رَبَّ الْعَالَمِينَ “الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ* وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ* وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ*” الشعراء77، وكنت التمس العذر لوزارة الصحة بقوله تعالى، “إنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً* إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً* وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً* إِلَّا الْمُصَلِّينَ* الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ* وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُوم* لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُوم*” المعارج 19، فإذا كان المريض هو السائل المحروم فذنبه على وزارة الصحة!
ورغم ما يكتب يبدو قسم الإعلام بوزارة الصحة نشط جدا، كان يعشمنا بالوزارة كثيرا، فإلى جانب الانتقادات مما ذكرنا أجد مقالات مطولة، قوانين وزارة الصحة أفضل ما يكون، ونظمها تضاهي أكثر الدول رقيا وتطورا، وبين الفينة والأخرى افتتاح مستشفى، وضع حجر الأساس لآخر، ومستوصف هنا ومركز صحي هناك، واستوردنا أحدث الأجهزة الطبية أشعة وسونار ومعدات كشف وتحاليل وعمليات نادرة، ودفعة من الاستشاريين وصلت وأخرى في الطريق، ممرضات وممرضون، فضلا عن أصناف الكوادر الطبية التي تتخرج بكليات الطب والصحة بالعشرات، ونحن في البحرين نصف مليون مواطن ونصف مليون مقيم، يعني الدنيا بخير، والتثقيف الصحي على قدم وساق، ندوة للسكر وأخرى للسرطان وثالثة لمحاربة التدخين وعاشرة للقضاء على السمنة. وتعذرني وزارة الصحة، “اسمع خيرا من أن ترى”.
فقبل أيام اتصل بي قريب ونفسه مقطوع يشكو الألم إذا وقف وإذا جلس، ويريد اصطحابه إلى المستشفى في الساعة التاسعة ليلا، أسرعت إليه ونقلته إلى مركز انجنير بمدينة عيسى، وفعلا بعد انتظار يسير دخلنا إلى الطبيب طلب أشعة للفقرات أنجزت بدقائق، والتشخيص الأولي دسك، أخذ حقنة مهدئة وأحيل إلى طوارئ السلمانية، وبعد انتظار غير طويل فحصه طبيب بحريني محترم وأعطاه العلاج ليومين على أن يراجع الاستشاري في العيادة الخارجية يوم الأحد، ومن باب النصيحة أشار إلى أفضلية مراجعة طبيب خاص وذكر مستشفى فيه أشعة مقطعية “رنين” ضرورية للتشخيص الدقيق، وغير متوافرة في السلمانية فصدمت! أقدم وأكبر مستشفى في البحرين ليس فيه أشعة رنين، وتوجد في مستشفى خاص افتتح حديثا، أتكون خزينته اكبر من خزينة وزارة الصحة، الله اعلم.
صباح الأحد فضلنا استطلاع رأي الاستشاري ومراجعة العيادة الخارجية بالسلمانية، فإذا بموظف الحجز يعطينا موعدا نهائيا بعد أربعة أشهر لمراجعة الاستشاري، ضربتين بالرأس مستشفى السلمانية بجلال قدره بلا أشعة رنين ومراجعة الاستشاري بعد أربعة أشهر، وصحة يا وزارة الصحة، عيش يا مريض حتى يأتي الربيع، أيعقل هذا؟ وتساءلت ما جدوى المباني الضخمة، والتجهيزات الخدمية الراقية، والكادر الصحي والخدمي والقوانين والأنظمة؟ وتذكر قبل سنوات أحيل ولدي إلى طبيب العيون الاستشاري، وأعطيت موعدا بعد شهرين، فراجعت الطبيب الخاص، وأحببنا التأكد مرة أخرى من الطبيب الاستشاري وحضرت بعد شهرين فوجدناه مسافرا وعلينا الانتظار شهرين آخرين، فهل من المنطق أن ينتظر المريض أشهرا، أم الموظف دفعنا قصدا إلى الطبيب الخاص، وهل هناك تعمد بالإساءة إلى الوزارة والدولة من خلفها، فانتظار أربعة أشهر أمر غير طبيعي، ومازالت علامة الاستفهام تستوقفني عجبا.