الحوار السياسي مشاورة النظير في الأمور البينية، ووسيلة مثلى لإنجاز الممكن، يفتح بوابة الاستشارة وفهم المواقف، ومد جسور التوافق وحل الأزمات، ويعكس واقع الشعوب الحضاري والتزامها بالشفافية والتواصل الفعال لمعرفة الحقائق، والاستدلال إلى النهج الصحيح وتحقيق التوازن بين نزعة الإنسان والجماعات كمظهر إنساني، يحقق الوفاق والاتفاق على الثوابت، إذا التزم بالمبادئ والقيم والقواسم المشتركة، كاعتبارات الوطنية والإنسانية، الوحدة والسيادة والأمن والسلام والعدالة الاجتماعية، أما حوار المصالح والمكاسب فيخضع للمعادلات السياسية، والتحالفات المرحلية، والمراهنة على الوقت، ويتعرض فيه الطرف الأضعف للابتزاز والتسليم بحكم الظروف والواقع. وتأتي نتائجه متضخمة وعودا بلا مصداقية، تحتال على الخلاف بصياغة قرارات معقدة وصيغ متعالية ملغومة، جاهزة للانفجار قبل أن يجف مدادها.
ولا نريد الدخول في التفاصيل والجزئيات كثيرا، بيد أن المتتبع للواقع اليمني مهما تمنى النجاح للحوار القائم لا يتوقع أن يكون أفضل من حوارات سبقت، مهما تحدثنا عما يبذل فيه من جهود وحتى لو توافرت إمكانات الدعم والوساطة، فهو كما يبدو حوار مصالح ومكاسب أكثر منه حوار مبادئ وقيم لها ثوابت، الجنوبيون السنة الشوافع والرئيس المؤقت منهم منقسمون على أنفسهم، إسلاميون إصلاحيون يرومون الحفاظ على الوحدة بكل ثمن، واشتراكيون وجهويون يرمون الانفصال تماما بحكومة مستقلة ويشكلون حراكا واسعا، ويطالبون بمكاسب تعوضهم عن مظلومية الحكومة السابقة من نهب لأراضيهم وحرمانهم من الوظائف العليا، وأمامهم عدو مشترك متطرف لا يرحم هي القاعدة تضرب بالعمق وتروم تشكيل دولة إسلامية متشددة.
والزيود هم الآخرون منقسمون إلى أئمة حوثيين مدعومين من إيران وحزب الله ولديهم أسلحة خفيفة ومتوسطة وثقيلة، ورجالهم متدربون على القتال وقادرون على الحشد، وفشلت الحكومة السابقة في ست حملات عسكرية في كسر شوكتهم، ولديهم استعداد للقتال، ويرومون دولة مستقلة لا يصرحون بها واضعين في حسابهم التوسع مستقبلا، ولديهم مطالب وحقوق تعويض عما أصاب مناطقهم السكنية والزراعية من دمار وخراب بسبب المعارك التي خاضوها مع جيش صالح، قادرون على تعطيل أي اتفاق بالقوة، والوقوف بوجه أي حوار لا يحظون منه بامتيازات ومكاسب، وهناك قبائل زيدية لا ترى ما يرون، وفي اليمن أكبر قبيلتين حاشد وبكيل سبق لفروع منهم أن ساندت الحكومة السابقة وأخرى ناوأتها، منقسمون أيضا بين سنحانيين مؤيدين للرئيس السابق وآخرين رافضين أو مؤيدين للإصلاح.
وفي المحافظات الكبرى كتعز وإب والحديدة وذمار، وهم سنة شوافع لعبت الجامعات دورا فاعلا في تخفيف حدة التطرف القبلي والمذهبي ويشكلون حراكا مجتمعيا ناميا يتطلع لحياة طموحة، وقد تغلغلت بينهم أحزاب الإصلاح ولها الحظ الأوفى، وحزب المؤتمر الشعبي أنصار الرئيس السابق والمنتفعين منه، وقلة من البعث والناصريين وكذلك الاشتراكي، وغالبيتهم تود البقاء بمعزل عن تدافع الحوثيين في الشمال والحراك الجنوبي، ويريدون إقليما معتدلا بعيدا عن تطرف القاعدة وتشدد الحوثيين، وسطوة رؤساء القبائل والمشايخ، وتبقى العاصمة صنعاء وما حولها حيث تفجرت الثورة وهم خليط قبائل ومذاهب يرون مجتمعهم ثار من أجل العدالة الاجتماعية وحياة حرة ديمقراطية منفتحة، للمرأة نصيب في المشاركة أيضا.
أمام منصة الحوار ممثلون بطريقة انتقائية أو عشوائية لهذا الخليط من الأطياف وليس لدينا انتخابات برلمانية أو شخصيات منتخبة تنوب عن كوادرها، نستطيع بواسطتها تحديد حجم وثقل كل كتلة ونسبة ممثليها لتحقيق معادلة توازن بينهم، فأصبح الحوار مزادا علنيا للمزايدات والمطالب والرغبات غالبا ما يسوده الهرج والمرج، وتضيع بينهم السكينة والثوابت لضعف القواسم المشتركة، جماعة تريد اليمن وحدة واحدة تنطلق من جديد بلا فوارق، ورؤيتها مثالية في ظل التناقضات، وقوم يريدون عودة اليمن على ما كان قبل الوحدة شمالا وجنوبا، وآخرون يريدون اتحادا فدراليا، بإقليمين أو ثلاثة وربما أربعة أو خمسة وهناك طبقات مغيبة تلفها الحيرة والذهول، والسفينة إذا كثر ملاحوها تغرق لا سمح الله، وهو ما لا يتمناه أي عربي لليمن السعيد.