يسجل التاريخ لليمنيين قديما وحديثا أنهم متمسكون بيمنيتهم حتى العظم، لا يتخلون عنها، هم في الجنوب يمنيون مثلما هم يمنيون في الشمال، ويمنيون في الداخل ومثلما هم يمنيون في الخارج، ولكن قلما كانت اليمن في التاريخ دولة موحدة وإنما دويلات قبلية ومذهبية، أذكر في العصر العباسي الزياديون، والأشاعرة، والنجاحيون، والصليحيون، واليعافرة، والمهديون، والرساليون، وآخرون. فلا غرابة إذا طالب بعضهم اليوم بفدرالية اتحادية من خمسة أقاليم، نتيجة اختلاف طبيعة الصراع القائم عما كان عليه قديما، كان الصراع قبليا أو مذهبا يتسم بالبساطة، فأصبح اليوم أكثر تعقيدا بعد أن دب الصراع بين قيادات المذهب الواحد وداخل القبيلة الواحدة، يضاف إليها التنافس الجهوي وصراع الأحزاب وتدافعها، واختلاف المواقف والمطالب عما كانت عليه قبل تنحي الرئيس صالح.
كان القاسم المشترك بين الأطراف المعارضة المتفق عليه ضمنيا رحيل نظام صالح الذي وزع المناصب والمسؤوليات ولاسيما العسكرية والأمنية على الأرحام والأصهار والمحسوبين قبليا، وعدم صلاحية حكومته الفاسدة، وضرورة إسقاطها وتناسي الخلافات الأخرى وتأجيلها، وكانت القبائل وأحزاب اللقاء المشترك في الشمال والوسط والجنوب تتظاهر معا وتعتصم تحت شعار تغيير النظام، أما اليوم وقد تغير رأس النظام، دب الخلاف بقوة بين أطراف المعارضة وبقايا فلول النظام السابق -إذا صحت التسمية- من جهة، وبين أطراف المعارضة نفسها، وتعددت وتنوعت الدوافع، مذهبية وعقائدية وجهوية وحزبية، وصار لكل طرف موقف مختلف ومطالب وحقوق يروم ترجمتها إلى مكاسب.
وتجابه حكومة هادي اليوم عقبات كثيرة ومعارضين على مستويات، وينبغي لها أن تحارب على عدة جبهات بلا شركاء حقيقيين، ويبدو هو الوحيد الذي ليس له مطالب سوى التوفيق بين الأخوة الأعداء، والكل يريدون اختراقه، وموقفه أشبه بالمثل القائل، “العصفور يتفلى والناطور يتقلى” ومما يزيد الأمر تعقيدا وجود قطع سلاح بيد أبناء الشعب ضعف ما بيد الحكومة، وإمكانية استخدامه قائمة في ظل تصاعد الاغتيالات والنزاعات، وتوقف جهود التنمية تماما وتراجع الاقتصاد السريع، فضلا عن تردي الخدمات كافة. فأعطى تدهور الأوضاع الذريعة لأنصار النظام السابق ومازالوا رقما في المعادلة، الدعوة لعودته إلى الحكم ثانية بشتى الوسائل المشروعة وغير المشروعة، ومنحهم دوام الخلافات الأمل للمضي بتعطيل دوران العجلة كاملة ويتهمون أحيانا بتصفيات جسدية والثأر من معارضيهم.
إن عدم إقصاء حزب المؤتمر الشعبي من المشاركة السياسية مستحسن ومستحب، ومن الحكمة عدم إقصاء أو تهميش فريق له حضور شعبي، لكن بقاء الحزب برئاسة صالح شريكا فعليا في الحكومة إجراء غير سليم فرض على الأغلبية بالوساطة، ويعني أن صالح لم يكفه حكم البلاد ثلاثة وثلاثين سنة منفردا، ويريد العودة ثانية بواسطة الحزب، وكان عليه الاستقالة من رئاسة الحزب لفشله وفسح المجال لغيره، أو الانسحاب من الحكومة إلى المعارضة، ولم يحصل في العالم رئيس حزب غادر موقعه رئيسا للبلاد وبقي وزراؤه وممثلوه في السلطة التنفيذية يحتفظون بامتيازاتهم، ويتقاسمون الحكومة مع المعارضة مناصفة، كان عليهم الانتقال إلى المعارضة من خلال سلطة البرلمان التشريعية، وليس بمراكز سياسية وأمنية حساسة، يمارسون نشاطا معطلا لجهود الحكومة، ويشكلون خطرا يهدد الأمن والاستقرار لارتباطهم سياسيا وليس مهنيا بمرحلة سابقة، وهو ما حصل فعلا وأبقى الوضع على ما عليه من دون تحسن وزاد حدة الصراع وتعميقه.
أما الحوار الجاري بين الفرقاء، فأطرافه أكثر من أن تحصى فضلا عن تعدد مطالبهم ومواقفهم، ويبدو أنه سيسعى للتوافق وتأجيل كرات النار وتدوير الصراع تحت ضغوط الوساطة وليس الحسم، وهو موضوع حلقتنا القادمة.