لا ننسى أن علي عبدالله صالح بدأ حياته راعيا أقصى أحلامه امتلاك بضع شويهات، قبل أن يتطوع في الجيش مقتديا بأخيه، ثم دخل المدرسة العسكرية ودورات تدريبية، يرتقي مع دوران الأيام، وبعد أن كان ملازما بجيش الإمام يدافع عن صنعاء في حصار السبعين، صار قائد لواء المدرعات بتعز، وله تحالفات قبلية واسعة، أهلته لعضوية مجلس الرئاسة، ورشحته بعد مقتل الرئيس الحمدي واغتيال الغشمي، لرئاسة البلاد في زمن خشى غيره الترشح لهذا المنصب، بفعل ما جرى لشاغليه من غوائل، فكيف استطاع الصبي اليتيم بإمكانياته المتواضعة، اختراق قبائل اختارته ليكون طوع إرادتها، وتحدي العقبات وتغلب على الصعاب، وامتلك القرار، وأصبح رئيسا محنكا، يحاور ويناور، وتنحني أمامه الزعامات القبلية، ويحسب له الحساب في التوازنات الإقليمية؟ ولا عجب “فالحكمة يمانية” كما ورد بالحديث الشريف.
ارتبط صالح منذ تولي الرئاسة بعلاقة وثيقة مع الرئيس صدام حسين، وشاركت وحدات رمزية من جيشه بالمعارك ضد إيران، وانضم إلى مجلس التعاون العربي، مصر والعراق واليمن والأردن، ولقب بصدام الصغير، كسر جناح صالح الأيمن بحرب الخليج الثانية لتوقف المساعدات الخليجية، وكسر جناحه الأيسر بالاحتلال الأميركي للعراق، وصار يصارع التيارات بلا أجنحة ثابتة، ولم يدع خط رجعة إلى كنف حلفائه الإصلاحيين اثر خذلانه لهم، وإن ساندوه في حروبه الست ضد الحوثيين الذين نمت مخالبهم محتذين بحزب الله في ارتقاء سلم التوسع وحرق المراحل وتدريب رجالهم عسكريا، واحتضنت إيران الحوثيين إعلاميا وأقنعتهم بنهجها، وأغدقت عليهم المال والسلاح، ولم يعد بالإمكان اجتثاثهم أمنيا ولا عقائديا، وفسحت الحرب مع الحوثيين المجال للقاعدة في الجنوب لتصبح قوة فاعلة بدعم إيران أيضا لتخفيف ضغط الحرب على الحوثيين، وإضعاف سيطرة صالح الذي بدا كالأسد الجريح تقدم به الزمن.
لم يكن صالح سيئا خلال سنوات حكمه الأولى، حقق لليمنيين مكسب توحيد الشطرين، وتوسع بالتعليم، ويحسب له أن اليمن لم تكن أسوأ حالا من جنوب السودان وجيبوتي والكاميرون اقتصاديا، وبنيتها التحتية أفضل من الصومال وغانا وزامبيا وهايتي وربما العراق وسوريا اليوم، ومن يعرف طبيعة اليمن القبلية يتلمس له العذر، فلم يكن أمامه بد من كسب الولاء والاستقرار بإغراء رؤساء القبائل بالأموال وقطع الأراضي والامتيازات، في مجتمع فيه خطر تداول القات أشد من خطر التدخين، ووجود طبقة اجتماعية معدمة “الأخدام” بأعدادهم تتكاثر وتشكل عبئا على الدولة بتدني طباعهم ومستواهم الحياتي عامة، وتفشي البطالة والواقع كما يقال: “الشق كبير والرقعة صغيرة” ومع امتداد فترة حكمه انفتحت شهيته وشهية أنصاره للسلطة والمال واستشرى الفساد المالي والإداري وتزايدت نسبة الفقر والبطالة، فوجد الشباب ولاسيما خريجو الجامعات العاطلون عن العمل فرصتهم للتظاهر والاعتصام والمطالبة بالتغيير مع انطلاق ثورات الربيع العربي بتونس ومصر عام 2011.
بدأ المتظاهرون قلة وتزايد العدد واتسع ليمتد المحافظات تعز وصعدة وعدن وغيرها، ووجدت الأحزاب كتجمع الإصلاح والحوثيين والحراك الجنوبي الذي تشكل من المتقاعدين القدامى في دولة اليمن الجنوب فرصة لإثبات الوجود وإسقاط النظام كمرحلة متقدمة لتحقيق المأرب والآمال بعد التغيير، وكسر الشعب المعدم حاجز الخوف والحرج، وفشلت مساعي صالح في السيطرة على الأوضاع سواء باللين أو العنف، ووضع في زاوية طلب النجاة بالنفس والمال والولد وأعطيت له الحصانة وقاء، وعاد بعد التنحي يمارس لعبة أحلام اليقظة يخوض مع المتدافعين للعودة ثانية “يموت الديك وعينه على المزبلة”، وأصبح جزءا من حركة الصراع المعقد والمتعدد الأطراف في اليمن، كل يتطلع لنصيب أوفر، وللموضوع صلة.