العدد 1830
الجمعة 18 أكتوبر 2013
حقيقة الصراع في اليمن ( 1 ) د.عمران الكبيسي
د.عمران الكبيسي
الجمعة 18 أكتوبر 2013

عشت سبع سنوات في اليمن خلال تسعينيات القرن الماضي، دخلتها لأول مرة أواخر عام 1992، بعد توحيد شطري اليمن الشمالي والجنوبي، انتدبت للتدريس بجامعة تعز ثلاث سنوات عاصرت خلالها المعارك التي نشبت بين الشمال بقيادة علي عبدالله صالح بتحالف حزب المؤتمر الشعبي وحزب الإصلاح، والجنوب بقيادة نائبه علي سالم البيض ودعم الحزب الاشتراكي، وعشت دقائقها وزرت عدن بعد سيطرة الشماليين عليها بأيام، شاهدت فيها آثار الحرب وبعض ما رافقها من غوغاء ونهب، وعدت إلى اليمن ثانية عام 1999 منتدبا للتدريس بجامعة الحديدة أربع سنوات عايشت فيها بعضا من صراع الحليفين حزب الإصلاح وحزب المؤتمر الشعبي الحاكم، وأحزاب أخرى صغيرة أهمها الاشتراكي، كانت طبيعة الصراع قبلية سياسية بامتياز على النفوذ والسلطة ولم ألحظ خلال وجودي في اليمن أي تدافع طائفي، كالذي يعيشه اليوم، كنا في صنعاء ندخل أي مسجد وجامع بعد الأذان بلا تحفظ ونصلي خلف الإمام ولا نعرف إن كان شافعيا أو زيديا، وفي الصف الواحد من يسبل ومن يكتف جنبا إلى جنب بلا أدنى حساسية.
كان الجنوبيون سنة شوافع، ونسبة كبيرة من الشماليين زيديون، وحين حصلت الحرب بين قوات الشطرين بعد الوحدة، وقفت المدن السنية الشمالية تعز والحديدة وأب وغيرها تناصر الرئيس القبلي الزيدي صالح، وأذكر أنني ألقيت قصيدة بحضور الشيخ الزنداني في جامعة تعز نبارك فيها انتصار إرادة الوحدة على إرادة الانفصال. كان حزب الإصلاح وغالبية قياداته موالية للإخوان المسلمين يتمتع بنفوذ قوي، ولديهم نحو ستين نائبا في البرلمان، وهم من رجح كفة صالح الشمالي في الفوز بالرئاسة على حساب البيض الاشتراكي الجنوبي، غير أن للسلطة بريقها الوهاج المغري، فالرئيس اليمني بعد إقصاء الاشتراكيين تفرد بالحكم لم يلبث بضع سنوات حتى بدأ يقلم أظافر حلفائه الإصلاحيين ويعاملهم بالعين الحمرة تارة وبالخد الوردي أخرى.
كان مصدر قوة الإسلاميين سيطرتهم على المعاهد الدينية الرسمية التي كانت تفرخ لهم طلبة نابهين واعين عقائديا بفضل رصانة مناهجها وأساتذتها المنتخبين قياسا بالمدارس الاعتيادية، وهو ما أنعش التيار الإسلامي وجعله حاجز الصد الأول ضد الثقافة الشيوعية التي ينتهجها الحزب الاشتراكي الجنوبي، وبفضل تعلقهم بالوحدة حاربوا مع الشمال ضد الجنوب، واليوم تقف بقاياهم سورا منيعا ضد التغلغل الحوثي الفرع الزيدي المتطرف الموالي لإيران باعتبارهم فرقة انشقت من الشيعية الإمامية وتطرفت بانحيازها إلى التيار الصفوي، بيد أن حزب المؤتمر الشعبي بقيادة صالح صار يخشى توسع الإسلاميين وبدأ بسحب البساط من تحت أقدام الإصلاحيين رويدا رويدا بشتى الوسائل حتى أغلق هذه المعاهد ووحدها مع التعليم الأساسي الرسمي.
استغل الحوثيون الفرصة وأخذوا زمام المبادرة بحلقات تنظيمية وشعبية تدعو لاتجاههم الصفوي، وبعد عشر سنوات من تصفية المعاهد استطاعوا فرض سيطرتهم في صعدة وحجة ومناطق أخرى لتكون لديهم الغلبة. أما المتشددون الإسلاميون السنة من الناقمين على إغلاق المعاهد الدينية وجدوا ضالتهم في القاعدة التي استقطبتهم غرسا جاهزا، مما جعل صالح وحزبه الذي حكم اليمن ثلث قرن وحيدا بين ناري القاعدة والحراك الانفصالي في الجنوب، والحوثيين في الشمال، بالإضافة إلى معارضة الإصلاحيين “ويا أم حسين كنت بواحدة أصبحت باثنتين”.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية