تلقيت عبر الإنترنت مقالا مطولا للكاتب مشرق عباس عن الرؤية النجفية للأوضاع المتشابكة، سوريا والعراق وإيران، أثرت ضغط المقال والحفاظ على محتواه لتعميم الفائدة وإتاحة الفرصة للقارئ أيا كان مذهبه لمعرفة ما يدور في أروقة النجفيين، وهموم الحوزة والمرجعية والسادة الفقهاء من ناحية، وشباب النجف الطامح لحياة مختلفة في ظل ضيق التواصل بين التيارات ومخاطر إدارة العراق الحالية وأسلوب التعامل مع السنة وموقفهم من القتال في سوريا، والعلاقة الملتبسة مع إيران. أتمنى أن تكون الآراء نابعة عن صدق لنستبشر خيرا بالمرجعية والجيل الصاعد. وإلا فالعواقب وخيمة.
يضحك السيد الصدر من أعماقه بين صحافي الوسط المدني العراقي لالتقاط صورة تذكارية فيقول ملاطفا: إسلامي بين علمانيين اكسبهم أو يكسبوني ويعتذر عن مرارة وتشاؤم قائلا: أقاتل وحيداً دفاعاً عن السلم الاجتماعي في العراق، وأرفض السقوط بفخ تحويل الصراع السياسي إلى طائفي، لكنني لا أشعر بمساعدة الأطراف الأخرى. ورغم التجاوزات في تظاهرات المناطق السنية يؤكد تمسكه بموقفه الداعم لتظلماتهم. ويدين أحداث الحويجة، ويتصدى لمحاولات تحويلها حربا طائفية، ويقف ضد محاولات تهجير السنّة من الجنوب، لكنه لا يلمس عوناً من الطرف الآخر، ولا رفضا لتفجيرات المناطق الشيعية، ولا وضع حد لخطابات التأجيج.
الصدر يجابه بانتقادات شيعية واسعة لمشاركته في جهود إقالة المالكي 2012، وخاطبه قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني “ذهابكم إلى أربيل لا يخدم الشيعة” فرفض الصدر تدخله في الشؤون العراقية، وأن تلك المواقف لم تظهر حين زار المالكي أربيل، وأعرب عن رؤية مغايرة، فخلطة تقود العراق مستقبلا، يجب ألا تهمش وألا تستثني أحدا، وتتطلب انفتاحاً حقيقياً بين التيارات الدينية والمدنية العلمانية. أما سليماني برأيه فيقاتل لمصلحة بلاده مخلصاً لها، وليس بالضرورة تلاقي مصالح إيران والعراق، ويقول نحن مغضوب علينا لأننا لا نتلقى الأوامر والتعليمات، والمصالح العراقية بالنسبة إلينا خط أحمر. وأتباع الصدر رفعوا عام 2012 أعلام الجيش السوري الحر تعاطفاً مع الثوار، وللصدر ملاحظات على الجماعات المتشددة التي تقاتل الأسد، ويقول: “أنا مع الشعوب وأبلغت طهران أني سأنزل إلى الشارع تأييداً لشباب الإصلاح بتظاهراتهم، وتألمت لمقتل سلطاني في احتجاجات إيران. ومعجب بمعجزة 30 يونيو المصرية، وشجب قسوة الأسد على شعبه، ويعد ذهاب الشيعة للقتال في سوريا عصياناً”.
ويرصد الكاتب إشاحة السيد السيستاني عن تحليل وتحريم القضايا السياسية، ومع ذلك استفتاه أحدهم بتوجه ابنه للقتال في سوريا فأجابه لا يذهب، وليس بذهابه إصلاح. وأغلق أبوابه منذ سنوات بوجه السياسيين، وعبارة دولة مدنية على لسان معتمدي السيستاني يقول عنها السيد جواد الخوئي حفيد أبوالقاسم الخوئي أهم المراجع الشيعية: إنها مقصودة ومتبناة من المرجعية فالعراق بلد ثري بتنوعه الاجتماعي والتاريخي، وأسلوب حكمه يجب ألا يكون خارج هذا الثراء المذهبي والقومي والفكري وان النجف لن تكون نجفاً من دون هذا التنوع فكيف بالعراق؟ فالنجف يجب أن تتصدى لدور محوري في إحياء ثقافة التسامح الذي كسدت بضاعته في العراق، ولا تؤيد المرجعية أسلوب إدارة البلاد الحالي، وحادثة الحويجة أدمت القلوب. ونطمح لدولة حديثة مدنية يتساوى الجميع تحت سقفها، والسيد السيستاني يرفض أن نقول السنّة إخوتنا، بل هم أنفسنا، ولا نود دفعهم للشعور بالظلم أو التهميش.
ويرى الكاتب أن العائلات الدينية العراقية العريقة تنجب أجيالاً شابة برؤية مختلفة، فمقابل ارتداء العمامة السوداء والزي التقليدي وحلقات الحوزة نجد من يكمل الدراسات العليا في العلوم السياسية، ويرتدي زيا إفرنجيا أنيقا ويرى المستقبل العراقي لا يقوم على حكم ديكتاتوري أو طائفي فالعراق حصة الجميع وعن جولته بشارع الروان، شبان وشابات يتجولون مساءً يرتادون المطاعم والكازينوهات، والمحال تعرض صور إعلانات لأزياء نسائية ورجالية حديثة، وأحدث الأجهزة الكهربائية والرياضية، وثالثة تقدم البيتزا، والفطائر، والعصائر كأية مدينة عصرية منظمة ونظيفة، والنساء يرتدين الحجاب، ولكنهن أنيقات المظهر. فضلا عن أجانب ووجوه غربية في شوارع المدينة. لا تحتاج لحماية، ولا يثيرون الفضول. ولم تعد النجف بلدة عتيقة على حدود مقبرة مترامية الأطراف تتسع لتبتلع الصحراء، فالمحافظ عدنان الزرفي يعبر عن شعور أبناء النجف باحترام مكانة مدينتهم الروحية ولا يخشى تحولها إلى مدينة حديثة تساير متغيرات العصر ولا تتنازل عن قيمها الروحية، ودافع عن أغاني مهرجان تخرج طلاب النجف فيقول: لا جدوى من إنكار الواقع. شبابنا يسمع أغاني حديثة ويتواصل بالفيسبوك وتويتر ويشاهد أفلام هوليوود ويحب نجوم الفن والرياضة، فهل نحجر على عقولهم؟ ويتعرض لعلاقة النجف بإيران وقد عكسها غضب تناقلته أوساط السيستاني من تزوير وسائل الإعلام الإيرانية حديثاً دار بينه وبين وزير الخارجية محمد جواد أخيراً.
السيد الإرهابي: لقب السيد الموسوي يحمل بعدا دينياً، وسيد قاسم الموسوي الأعور نجفي ولكنه ابرز الإرهابيين المرتبطين بتنظيم القاعدة ومجموعته تنقل مقابل المال سيارات مفخخة لتفجر الزوار، وأعمال قتل كشفت بعد رصد مكالمة من النجف وهناك نماذج كثيرة مشابهة، ويلوم الزرفي القوى الأمنية العراقية لأنها سمحت باهتزاز ثقة السكان بها فلا يبلغون عن المجرمين.
النجف والفلوجة: أحاديث الصدر والخوئي والمقربين للسيستاني وزعماء سياسيين ومواطنين، تصب في صالح فلسفة الجغرافيا والتاريخ: طهران ليست أكثر قرباً من الفلوجة... الأسد ليس أهم من دم شعبه، المحيط العربي امتداد وعمق لا يضاهيه عمق آخر، لا استئثار شيعي في حكم العراق وتداول السلطة أكثر حكمة من حصرها بيد شخص، لا ولاية ثالثة للمالكي. هذا مختصر ما يقال علناً وهناك ما يدور في الأروقة، ويشكل مدخلاً لأسئلة عدة: هل تلقى رجل الدين السنّي كالسعدي دعوة لزيارة مرجعية النجف ولم يلبها؟ هل يضغط السيستاني لتنفيذ مشروع مصالحة حقيقية يطفئ الفتنة في العراق؟ هل سيكون له موقف من آليات تشكيل الحكومة المقبلة؟ لماذا لم يلب بارزاني دعوة الصدر لزيارة النجف؟ هل تقدم واشنطن ولندن دعوات غير مشروطة للصدر لزيارتها؟ وأخيراً هل ستبادر الدول والمنظمات ووسائل الإعلام والشخصيات الدينية العربية بدعوة فتح أبواب الحوار والاتصال مع النجف على الأقل لفهم كيف تفكر مدينة العمائم والأفندية؟.