العجيب في الوطن العربي أن كل محاولات تغيير السلطة عسكريا التي حدثت منذ 1940 إلى اليوم تختزل مفهوم الثورة بالانقلاب، يتغير وجه رئيس الحكومة ورؤساء الأجهزة الأمنية والعسكرية، أما النظام فيبقى على ما عليه باستثناء تغيير وسم الملكية إلى جمهورية أحيانا، وظل توصيف الثورة الحقيقي غائبا، حتى لم يعد المثقف فضلا عن ابن الشارع يفرق بين الثورة والانقلاب.
الانقلاب يحدث من داخل النظام، حيث يستغل أحد القادة ثقة رفاقه وموقعه الحساس وسلطته على من تحته وغالبا ما يكون قائد فرقة عسكرية قرب العاصمة أو قائد الجيش أو رئيس الأركان أو وزير الدفاع يحرك قواته مستثمرا غفلة الحكومة أو أزمة قائمة ويسيطر على المواقع الحساسة كقصر الرئاسة والإذاعة ويحتجز الرئيس يعتقله أو يقتله، وقد يحمله قسرا على التنازل ويقصيه خارج الوطن، ثم يغلف نواياه وطموحاته بتشكيل مجلس قيادة يرأسه، وقد يعين شخصية لها صيت وليس لها نفوذا أو مغمورا رئيسا صوريا، ريثما تستقر له الأوضاع، ينحيه ويعلن نفسه القائد الأعلى للقوات المسلحة ورئيسا للبلاد، ويتفرد بالسلطة وبعد برهة تتفشى الخلافات وتتحول إلى صراعات ويصفي الرفاق بعضهم بعضا، فلا يوجد لديهم برنامج ولا رؤية ولا أهداف مدروسة متفق عليها، وإنما همهم السيطرة على السلطة واقتسام المناصب وصياغة الأمجاد الوهمية.
تجاربنا مع العسكر مريرة أفرزت رؤساء برتب عسكرية يتفردون ويتجبرون، بدءا بمصر حيث أطاح عبدالناصر برئيسه محمد نجيب وأقصى رفاقه، آخرهم عبدالحكيم عامر، ووريثه السادات أطاح هو الآخر برفاقه وتوالت السلسلة، وفي سوريا تتابعت الانقلابات طيلة الخمسينات والستينات واختتمت بحافظ الأسد، ويعد العراق أنموذجا قارا بما جرى بين عبدالكريم قاسم وعبدالسلام عارف وحدث ولا حرج، ومثلها اليمن والجزائر وليبيا والسودان، ولم ينجب أي انقلاب عسكري أنموذج حكم مدني دستوري، ولا انتخابات تنافسية ديمقراطية نزيهة وحرة، بل انقلابات وطنية أوصلتنا إلى ما نحن فيه من انقسام وضعف وتخلف، قادتنا من سيئ إلى أسوأ ولا أعتقد أن هناك من يخالفنا الرأي.
أما الثورة فمن مقوماتها التفجر من خارج النظام، يوقد شرارتها المعدمون المقهورون، وتشارك فيها قوى الحراك المدني، وتسعى لتغيير النظام جذريا قبل الوجوه، ويظل دور العسكر فيها ثانويا، ومنها ثورات الربيع العربي، في تونس ومصر واليمن، وكذلك ليبيا وسوريا قبل أن تدول وتعسكر وتشترك فيها أطراف خارجية، هذه الثورات يمكن أن تنجب حكومات ديمقراطية منتخبة توفر الحرية للمواطنين، وتؤسس لتنمية قومية حتى لو تعثرت زمنا، فليس من السهل النجاح ضمن فترة وجيزة، ولابد للشعب أن يربط الأحزمة على البطون على أقل تقدير ثلاث سنوات يستطيع الشعب في الرابعة أن يتخذ فيها قراره على بينة.
كان بالإمكان أن تكون الثورة التونسية والمصرية النموذج الأفضل للثورة، غيرت تركيبة النظام، وأجرت انتخابات لم يشكك أحد بنزاهتها، فازت فيها أكبر الكتل الحزبية شعبية، شرعت بكتابة دستور يستفتى عليه الشعب، وأتاحت للإعلام حرية دون السقف المطلوب وربما أكثر، وسمحت للمعارضين بالتظاهر، في مصر ترك الرئيس المنتخب للوزراء إدارة الشؤون اليومية وانصرف يخطط للأمد البعيد تطوير محور قناة السويس، اكتفاء ذاتي من الحبوب، توجه للسياسة الخارجية وتكوين مشرع الدول الإسلامية الثمان، إصلاح التعليم وما أفسد السلف، لكن تجمع الأحزاب الصغيرة بأطيافها المتناقضة المتضاربة في كل شيء تكتلت ضد المشروع الإسلامي حسدا، فاستغل العسكر الفرصة لينقلبوا من الداخل بعد ان مهدوا لخلخلة الأمن والاستقرار عمدا وأطاحوا بالقيادة المدنية، وصدق فيهم كل ما قلناه عن مواصفات الانقلاب وليس الثورة.
وزيرا الدفاع والداخلية قادا الانقلاب، كالعادة عينوا شبحا مؤقتا لرئاسة الجمهورية، ورئيس حكومة وصار وزير الدفاع بصفته الأبرز عسكريا يسير من خلفهم شؤون الدولة، ليمهد لنفسه الطريق إلى الرئاسة كجنرال برتبة عسكرية يأمر وينهى بصفته رجل مصر القوي المهيمن بقوة جنده على الشارع، ويفرض الأمر الواقع، شطب الصحف والفضائيات المعارضة لحكومة برتبة عسكرية، خاض معركة حقيقية مع المدنيين المتظاهرين والمعتصمين غير مكترث بأعداد الضحايا فهم أرقام في قائمة الخسائر، اعتقل عشرات الآلاف، وأصبح الإرهاب والتحريض على العنف والتآمر والإخلال بالأمن الوطني تهمة جاهزة، وهو يمهد لنفسه حصانة دستورية تخيره بين وزارة الدفاع ورئاسة الجمهورية ملكا حصريا لا يشاركه فيهما أحد هذه البداية ومازلنا في أول درجات السلم.
ليس لنا موقف مع الخلف أو السلف، ولكننا نحلم ونتمنى لمصر العظيمة كبقية العالم المتحضر رئيسا من وسط الشعب، يختار من بينهم لا يفرض نفسه عليهم، وقد بشر الله عباده *لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ* التوبة 9 وإلى الله المشتكى.