الكتابة عن الوجيه فاروق يوسف خليل المؤيّد (1944–2024) مهما لأنه أحد أبرز روّاد الاقتصاد البحريني الحديث، ونموذجًا متقدّمًا لرجل الأعمال الوطني الذي تجاوز الإطار المحلي إلى الفضاءين الإقليمي والعالمي، من خلال رؤية استراتيجية طويلة المدى، وقدرة استثنائية على قراءة التحوّلات الاقتصادية وبناء المؤسسات المستدامة. لم تكن مسيرته مجرّد امتداد لنجاح عائلي، بل تجربة متكاملة في التحوّل المؤسسي، والتنوّع الاستراتيجي، والحوكمة، وربط الاقتصاد الوطني بالاقتصاد العالمي.
الجذور الفكرية وبناء العقل الاستراتيجي حيث نشأ فاروق المؤيّد في بيئة تجارية تقليدية في المنامة، حيث شكّل السوق والعلاقات الاجتماعية وأخلاقيات العمل الإطار الأول لتكوينه المعرفي. غير أن التحوّل النوعي في مسيرته تمثّل في تجربته التعليمية في المملكة المتحدة، حيث درس الهندسة الميكانيكية وتخرّج في عام 1966 من Loughborough University of Technology. شائت الأقدار أن ينال المعهد في نفس العام الذي تخرج منه المهندس-رجل الأعمال فاروق المؤيد الذي تخرج منه حصلت على ميثاق ملكي في أبريل من نفس العام لتصبح أول جامعة تكنولوجية في المملكة المتحدة. هذا التكوين الهندسي لم يكن تفصيلاً ثانويًا، بل أسّس لمنهجيته في الإدارة القائمة على التحليل المنظومي وفهم سلاسل القيمة والربط بين التقنية والاقتصاد واتخاذ القرار المبني على البيانات وليس الحدس وحده، وقد انعكس ذلك لاحقًا في أسلوبه القيادي الذي جمع بين العقلية التقنية والانفتاح التجاري.
هذا التكوين الهندسي لم يكن تفصيلاً ثانويًا، بل أسّس لمنهجيته في الإدارة، القائمة على: التحليل المنظومي، فهم سلاسل القيمة، الربط بين التقنية والاقتصاد، اتخاذ القرار المبني على البيانات لا الحدس وحده، وقد انعكس ذلك لاحقًا في أسلوبه القيادي الذي جمع بين العقلية التقنية والانفتاح التجاري.
من الإدارة العائلية إلى المؤسسة الحديثة
عند عودته إلى البحرين، لم يتعامل المؤيّد مع مجموعة Y.K. Almoayyed & Sons بوصفها مشروعًا تقليديًا، بل كمؤسسة قابلة للتحوّل والتوسّع. ويمكن تلخيص استراتيجيته المؤسسية في أربعة محاور رئيسية:
التنويع الذكي (Strategic Diversification) حيث لم يعتمد على قطاع واحد، بل وسّع نشاط المجموعة إلى: السيارات، الأجهزة الكهربائية، المقاولات والخدمات الهندسية، العقارات، التعليم، الإعلام، الخدمات المالية. وكان هذا التنويع مدروسًا، لا عشوائيًا، بحيث تتكامل القطاعات وتخفّف المخاطر الدورية.
الشراكات العالمية بدل الامتيازات المحدودة حيث سعى المؤيّد إلى بناء علاقات طويلة الأمد مع شركات عالمية كبرى، قائمة على نقل المعرفة، وتوطين الخبرة، والحوكمة، وليس مجرد التوزيع التجاري. هذا ما جعل المجموعة جزءًا من الشبكات الاقتصادية الدولية، لا مجرد وكيل محلي.
بناء رأس المال البشري البحريني حيث أنه آمن بأن الاستدامة لا تتحقق دون الاستثمار في الإنسان. فدعم: برامج التدريب، البحرنة، تمكين البحرينيين في المواقع القيادية ولم يكن ذلك شعارًا، بل سياسة مؤسسية طويلة الأمد.
التحوّل من الملكية إلى الحوكمة حيث انتقل بالمجموعة من منطق "الشركة العائلية" إلى منطق "المؤسسة"، عبر: مجالس إدارة فاعلة، هياكل تنظيمية واضحة، فصل نسبي بين الملكية والإدارة.
الأدوار الوطنية والدولية: رجل دولة اقتصادي حيث لم تقتصر مساهمة فاروق المؤيّد على القطاع الخاص، بل لعب دورًا محوريًا في المجال العام، حيث شغل مناصب قيادية في:
مجلس الشورى (نائب الرئيس)، مجلس التنمية الاقتصادية، رئاسة وعضوية مجالس إدارة مؤسسات مالية وتعليمية وإعلامية كبرى، مجالس وبحوث دولية مرتبطة بجامعات ومراكز فكر عالمية. هذه الأدوار تعكس فهمه العميق للعلاقة بين السياسة الاقتصادية، والاستقرار الاجتماعي، والتنمية المستدامة، وجعلته حلقة وصل بين الدولة، والسوق، والمجتمع.
البعد الإنساني ودعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة حيث لم يقتصر اهتمام فاروق يوسف خليل المؤيّد على الشركات الكبرى والمشاريع الاستراتيجية، بل امتد إلى دعم الجوانب الاجتماعية والمبادرات التي تعزز نمو المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في البحرين. وقد صرح المؤيّد قائلاً: «أهتم كثيرًا بالجوانب الاجتماعية ومساعدة الشركات الناشئة لكي تنجح في عملها عن طريق التخفيف في المصاريف المبدئية عنها، كالإيجار والاتصالات وأجهزة الكمبيوتر». ومن هذا المنطلق أسس جمعية تُعنى بمساعدة صغار التجار وتنمية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، حيث يتيح هذا الدعم للشركات الناشئة فرصًا أفضل للنمو، ويؤدي في النهاية إلى خلق وظائف للبحرينيين والمساهمة في تطوير الاقتصاد الوطني. ومن بين مشاريع الجمعية البارزة بناء مجمع للأطباء المبتدئين يتيح لهم فتح عيادات خاصة، مما يعكس إيمانه بأن دعم الرواد الشباب ينعكس بالنفع على المجتمع بأسره.
الرؤية: العالمية من بوابة الهوية
ما يميّز تجربة فاروق المؤيّد أنه لم يرَ العالمية نقيضًا للهوية، بل امتدادًا لها. فقد قدّم نموذجًا لرجل الأعمال البحريني القادر على: العمل وفق المعايير الدولية، احترام الخصوصية الثقافية، تمثيل بلده في المحافل الاقتصادية العالمية بثقة وكفاءة، العالمية لديه لم تكن ترفًا أو استعراضًا، بل أداة استراتيجية لتعزيز مكانة البحرين الاقتصادية.
تمثّل تجربة فاروق يوسف خليل المؤيّد حالة ثرية من القسمات النوعية منها البعد التخطيطي الاستراتيجي، و تطوير اقتصاديات العائلات التجارية، الدفع نحو التحوّل المؤسسي، التعاضد مع القيادة الاقتصادية الوطنية. لقد كان رجل أعمال، ومؤسسيًا، وصاحب رؤية، ورجل دولة اقتصادي في آنٍ واحد. ودخوله إلى العالمية لم يكن صدفة، بل نتيجة تفكير طويل الأمد، وعمل تراكمي، وإيمان بأن البحرين قادرة على أن تكون فاعلًا اقتصاديًا عالميًا من خلال أبنائها.
| هذا الموضوع من مدونات القراء |
|---|
| ترحب "البلاد" بمساهماتكم البناءة، بما في ذلك المقالات والتقارير وغيرها من المواد الصحفية للمشاركة تواصل معنا على: [email protected] |