العدد 4596
السبت 15 مايو 2021
توفيق السباعي
التعلم المؤسسي ودوره في نقل الخبرات والمعارف الضمنية
الأربعاء 21 أبريل 2021

لقد أصبح تفعيل مفهوم المؤسسة المتعلمة على أرض الواقع متطلباً أساسياً في معايير ومواصفات الجودة والتميز مثل: النموذج الأوروبي، ومواصفات الآيزو، ومواصفات المستثمرين في القوى البشرية، وينطلق هذا المفهوم أو ما يعرف بالتعلم المؤسسي من أساس فلسفي وهو تغيير النظرة نحو اعتبار المورد البشري جزءٌ من الأدوات الرأسمالية التي تعمل وتتوقف حسب الأوامر وتنتهي مشاركتها في الإنتاج بانتهاء عمرها الافتراضي، ولتبني هذا المفهوم يجب على الإدارة أو القائمين على المؤسسات تبني أسلوباً إدارياً يختلف عن الأنماط التي تبنتها نظريات التحكم والسيطرة التي سيطرت على التفكير الإداري في القرن الماضي؛ فنظرية المنظمة المتعلمة تفترض أن الإدارة يجب أن تؤمن وتطبق بإخلاص بعض الحقوق المفترضة للموظف كحقه في المعرفة والتعلم ليس فقط المهارات والكفايات المطلوبة لأداء عمله بل ويتعدى ذلك لما ينمي قدراته في حل المشكلات والتفكير الإبداعي والابتكار، وأيضًا حقه في المشاركة في اتخاذ القرار وتحمل المسؤولية مما يعزز لديه الشعور بالانتماء لمنظومة العمل، وكذلك حقه في توفير بيئة عمل مناسبة له من ناحية المواءمة: الجسدية والعقلية ومن ناحية اتفاقها مع القيم والمبادئ العامة.
لا شك إن هذه النقاط الفلسفية تعطي أبعاداً لتطلعات الأفراد داخل المؤسسات بحيث تفترض نظرية المنظمة المتعلمة رغبة كل شخص في بناء شيء مهم مع الآخرين، فالمنظمة المتعلمة تعنى بالعلاقة التعاونية بين الأفراد داخلها، وكما يقول (Peter Senge) في كتابه الشهير "المنظمة المتعلمة - النظام الخامس": لا يكفي أن يتعلم شخص واحد ثم يقوم بتحديد ما تحتاجه المنظمة ويتبعه الباقون، إن المنظمة التي ستنجح في المستقبل هي التي تكتشف كيف تستفيد من طاقة التعلم لدى جميع أفرادها، إذ أن علم المنظمة أكبر من مجموع علم أفرادها، إلا أن العامل الأساس هو كيف ننقل علم الفرد إلى المنظمة ككل.
إن التعلم المؤسسي يبدأ عندما يتبادل أفراد المؤسسة المعلومات والقصص والمفاهيم والتجارب الجديدة مع بعضهم البعض، فمعظم المعارف والمهارات الذي يجمع خلال سنين داخل المؤسسة يبقى في الأذهان، حيث تعتمد المؤسسة على قدرة موظفيها في حل المشكلات على ذاكرة التجارب والخبرات والتي قد تكون أحياناً أنجع وأجدى من القواعد والإجراءات المكتوبة.
إذن، نستطيع القول: أن المؤسسة تتعلم إذا تعلم الفرد بها ودارت عجلة تعلمه بسرعة وبلا مشاكل، وإذا تم تشكيل النماذج الذهنية لكل فرد وتطويرها باستمرار، وإذا تم تبادل المعلومات والمهارات باستمرار وبكفاءة عالية، وإذا تم تناقل المعارف الضمنية والخبرات من فرد إلى فرد، عندها تتعلم المنظمة وتزدهر.
ووفقًا لذلك فإنه يتطلب إعادة بناء مؤسسات "متعلمة"، قادرة على تجاوز المفاهيم الإدارية التقليدية، وتفعيل تطبيق أفضل لمفهوم المنظمة المتعلمة بعناصرها المختلفة، ولا شك أن ذلك لن يتحقق إلا بوجود إدارة واعية لمتطلبات العصر تتبنى هذا المفهوم وتشرف على تطبيقه في المؤسسة، وفق خطة استراتيجية واضحة المعالم ومنهج علمي سليم لبناء القدرات الفردية للرأسمال البشري والمؤسسي خصوصا أن التحول نحو اقتصاد المعرفة أصبح خيارا استراتيجيّا لتحقيق التنمية المستدامة ورفع الأداء وتطوير الخدمات.

هذا الموضوع من مشاركات القراء
ترحب "البلاد" بمساهماتكم البناءة، بما في ذلك المقالات والتقارير وغيرها من المواد الصحفية للمشاركة تواصل معنا على: opinion.albilad@gmail.com
التعليقات

2021 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية