لاستعادة السينما المصرية من تجار الجسد
فيلم “الممر”... عبور جديد
بعد غياب لعشرات السنوات عن تقديم صناعة سينمائية بهذا المستوى، والرهان على هذه النوعية من الأفلام في فترة تسود فيها ملامح القبح والبلطجة شاشات السينما بشكل فج، وجبت الإشارة إلى أن من راهن على تقديم سينما مغايرة أصاب.
منذ اللحظة الأولى التي دخلت فيها إلى قاعة السينما بمفردي، وجدت مئات الأطفال والشباب، نعم كانت النسبة الأكثر ما دون ال 16، ووجدتهم يقفزون يمينا ويسارا، حينها شعرت أننا سنكون أمام مهزلة ولن نستطيع مشاهدة الفيلم وربما كنت على وشك قرار مغادرة القاعة في أول خمس دقائق نظرا لصوت الأطفال، إلا أن اللحظة الأخيرة جعلتني أتراجع عن قراري وأكمل المشاهدة.
قبل التطرق للنقاط الفنية في الفيلم، سنتوقف قليلا عند النقطة الأهم محور المقال، والتي لفتت انتباهين وهو الحضور الجماهيري دون سن ال 16، هذه الفئة التي تمثل الظواهر المجتمعية الشبابية في الوقت الراهن التي تحملها شركات الإنتاج كل خطاياها، وتقدم لنا الافلام التجارية التي لا تتخطى فكرة إنشاء “كباريه تحت بير السلم”، لجني المزيد من المال.
في البداية قبل أن يبدأ الفيلم تعمدت أن أسأل الأطفال الذين يجلسون بجواري لماذا قرروا مشاهدة الفيلم.
كانت الإجابة تدور حول “ الأكشن والحرب”، وربما أن البعض دخل الفيلم دون قصد”، لا بأس إنها إجابات منطقية.
بعد مرور عدة دقائق من الفيلم شعرت بكل شيء يتحول تدريجيا داخل القاعة، الشباب المستهتر بدأ في التركيز، بدأت الصيحات تعلوا كلما ذكر اسم مصر، وكلما سقط جندي إسرائيلي، أو أصر جندي مصري على استكمال المهمة، تدرج التفاعل مع الفيلم تدريجيا إن كان عن قصد أو دون قصد، إلا أن حالة الشباب والأطفال التي بدت مزعجة في البداية أصبحت حالة تستوجب الانتباه والوقوف عندها كثيرا، خاصة أنه بعد انتهاء الفيلم لفت انتباهي أن البعض يريد مشاهدته مرة أخرى. من كل ما سبق أردت الوقوف عند نظرية هامة حطمها فيلم “الممر”، وهي نظرية “ الجمهور عايز كده”، أو “ هو ده اللي بيجيب مع الجيل ده”، وهي نظرية كنت وما زالت أرفضها، وعلى الرغم من أن السينما مرآة المجتمع إلا أنه من غير المعقول التركيز على النقاط السلبية فقط في صورة ووضعها أمام المرآة لتصبح هي كل الصورة.
الحالة التي خلقها الفيلم من جدل بين الانتقاد والإشادة، يؤكد أننا يمكن أن نقدم الأفضل وتستعيد السينما أمجادها. من الناحية الفنية نجح شريف عرفة في خلق حالة ربما يميل إليها الجمهور وهي “الأكشن”، وربما أن أحد أهم العوامل أنه لعب على وتر الصراع العربي الإسرائيلي، وبالطبع فإن هذه الحالة تستفز كل الطاقات بداخل أي مواطن عربي حتى، وإن كانوا هؤلاء الأطفال الذين لا يعلمون سوى أن إسرائيل هي العدو الأول. رغم أن القصة في مجملها تبدو شيقة مبهجة، إلا أن شريف عرفة انتصر للصورة على حساب السيناريو والحوار، فكر كمخرج وهو يكتب، فكانت كل تركيزه أن يسخر جميع الأدوات لتظهر الصورة والزوايا وغيرها من المشاهد التي صورت بكاميرات عالية الدقة. في المشاهد التي اجتمع فيها قادة إسرائيل لم ينتبه عرفة إلى أن تزامن الترجمة
كان أقل مما يجب، وهو ما قلل من فرصة الإمساك بهذه التفاصيل المهمة خاصة في ظل المشاهدة في وسط هذا الكم من المشاهدين.
الأمر الذي يثير التساؤلات هو محاولة السخرية من دور الصحافة من خلال شخصية أحمد رزق وإن كانت غير مقصودة، إلا أنها سقطة في السيناريو كان يجب الانتباه لها، خاصة أن دور الصحافة في هذه الفترة كان مهما جدا، وخاصة دور المراسل الحربي.
بعض المشاهد ربما كانت مجانية في الفيلم وكان بحاجة إلى حذف بعضها، إلا أن شريف عرفة نجح في استخدام أنواع اللقطات بشكل سلس، فلم تشعر في أي مشهد بعدم التوفيق في اختيارها أو سوء توظيفها، وهو ما عكس حالة عامة إيجابية، خاصة في ظل الإمكانيات الكبيرة في التصوير.
