رغم تناقص أنفاسها منذ الستينيات
الواقعية الإيطالية الجديدة لازالت تجذب الجمهور بتجاعيدها
كلُّ من يعشق السينما -ولا أعني العشق العادي المتمثل في مشاهدة الأفلام فحسب، وإنما التبحر في عالمها العميق- حتماً سيقف مبهوراً بما فعلته "الواقعية الجديدة" في مسار تاريخ الفن السابع؛ فهي لا تزال لغاية اليوم مدرسةً ينهل منها المخرجون دون أي تراجع زمني. كيف لا؟ والواقعية الجديدة تشبه ذاك الشعاع الضوئي الغامض الذي يفتح باب الأحلام على مصراعيه.
كانت إيطاليا مهد الواقعية الجديدة تقريباً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لتوافر عدة عوامل منها المناخ السياسي الذي كان سائداً في إيطاليا آنذاك؛
فقد انكسر حاجز الثقة بين القاعدة الجماهيرية ونظام الحكم؛ إذ أدرك الناس أن نهج الإدارة القديم -الذي أفضى بهم إلى دوامة من الصراعات والانكسارات والاحتلال- لم يعد مقبولًا. وفي المقابل، عجزت النخبة الحاكمة، الممزقة بخلافاتها الداخلية، عن ترميم شرعيتها أو العودة إلى فرض سيطرتها عبر آليات القمع والبطش.
ومن ثم فرضت الأزمات الضاغطة على النظام أولوياتٍ أكثر حدةً من ملاحقة الشأن الثقافي والإبداعي، مما خلق فجوةً في القبضة الرقابية التقليدية. وقد استثمر نخبةٌ من السينمائيين المجددين هذه الثغرة، فاندفعوا لتقديم خطابهم الواقعي بجرأة وحرية، بعيداً عن مقص الرقيب الذي انشغل بمعارك البقاء..
كان وجود هذه المجموعة الموهوبة هو العامل الثاني في ميلاد الواقعية الجديدة؛ فلولا وجودها لاستحال هذا الميلاد، لأن المناخ السياسي الملائم غير كافٍ بمفرده. ومخرجو الواقعية الجديدة كانوا جماعة متجانسة تلتقي على معاداة الفاشية والعمل من أجل شيء جديد، وأول "الطوفان" كان فيلم "روما مدينة مفتوحة" للمخرج روبرتو روسيلليني الذي يُعتبر أبا الواقعية. وقد أقبل الناس والنقاد على هذا الفيلم المهم، ومن ثم فُتحت الأبواب على مصراعيها أمام هذا التيار الجديد ليزحف، وتدخل أفلام أخرى لمخرجين تبنوا التيار، المخرج دي سيكا، ولويجي زامبا، وغيرهم. وكل أفلام هؤلاء سارت على مبدأ واحد هو الرغبة في تحدي العالم ومواجهته؛ فهي لا تكتفي بأن تلمسه من السطح، وإنما تتعمق فيه لأنها تريد تغييره.
وعلى هذا الأساس، نشاهد أنها أفلام ركزت على الواقع الاجتماعي والفقر والجوع والبطالة والاضطهاد، كما تميز صناع هذه الأفلام بالثورة على رأس المال والاستوديوهات؛ فنزلوا إلى الشوارع والأحياء يصورون فيها على الطبيعة الحياة بكل ثرائها دون حاجة إلى إضاءة أو صوت أو ديكور أو حتى ممثلين محترفين
بصورة عامة، وإن تناقصت أنفاس الواقعية الإيطالية الجديدة في بداية الستينات، إلا أن هناك الكثير من المخرجين حول العالم يرفضون مبدأ انتهاء الموجة في عالم الفن السابع؛ لأن الموجة تتبعها موجة، وهؤلاء المخرجون يهتمون بما يحدث في الحياة من تغيير، حتى إن المخرج الهندي الشهير أديتيا شوبرا قال: "أفلامي وأفلام أبناء جيلي فيها طابع وجو الواقعية الإيطالية ولكن بصورة أقل حدة. كلنا نشترك في اللعبة".
ستبقى الواقعية الجديدة، التي فصّلت ملابسها الأحداث السياسية في الأربعينات، تجذب الجمهور بتجاعيدها وجمالها الهادئ المبهم. قد تبدو امرأة، ولكنها ليست كذلك.
