سيناريو لافت بحسه الإنساني الرفيع
" بيدي" ملحمة التضحية على أعتاب سكة القطار
مَن يشاهد الفيلم الهندي الجديد للنجم رام شاران "بيدي"، والذي يُعرض حالياً على المنصات الرقمية، سيجد أنه أمام سيناريو لافت بحسه الإنساني الرفيع؛ فمن خلال بناء درامي غير تقليدي، نتابع رحلة الشاب الرياضي "بيدي" الذي ينتمي إلى قرية نائية ترفض الحكومة الاعتراف بها وبناسها، بمعنى لا تصدر لهم هويات، وهي نقطة التركيز الأساسي في الفيلم ونقطة الارتكاز المحورية. فأهل القرية يعانون في حياتهم بسبب عدم توفر وسائل مواصلات؛ فكل حاجاتهم من معاملات حكومية وغيرها يقضونها بالمشي لمسافات طويلة، وقد قضى أحد عجائز القرية "أبلاسوري" -والذي تقمص دوره بذكاء الممثل الفذ جكباتي بابو- ثلاثين سنة وهو يرفع علماً أحمر أمام كل قطار يمر بجانب قريتهم من أجل أن يقف وينقذ أماً مريضة أو شخصاً ما، دون فائدة.
وهنا يقرر الشاب "بيدي" خوض صراع شاق لإنقاذ قريته، يتجلى بتصميمه على إيجاد الحل في الرياضات التي يتقنها؛ فلعب المصارعة، والكريكيت، وأخيراً الجري. ولم يكتفِ السيناريو المؤثر بالاكتفاء برسم صورة عن تجربة "بيدي" المريرة وحسب، بل تحول وأعطانا صورة مؤلمة عن التضحية من أجل قريته. فعندما أُصيبت رجله في المصارعة ونصحه الأطباء بأنه غير قادر على اللعب نهائياً، قام ببتر رجله بوضعها أمام قطار ليتخلص منها، ويضع مكان العضو المبتور طرفاً صناعياً مقوساً ليتمكن من العدو. ومن خلال البناء بكل ما توحيه هذه التضحيات والحلم بالوصول إلى مشارف جديدة، وحياة "بيدي" المشطورة نصفين، يشترك في سباق للجري على مستوى دولي ويفوز بالميدالية الذهبية، ولكنه يرفض استلامها؛ لأنه، كما قال أمام العالم عبر الميكروفون، إنه أحد أفراد شريحة هامشية صغيرة لا ترتبط بمكان تعترف به حكومة الهند، وبهذا فهو لا يعتبر نفسه هندياً. كان هذا المشهد مختزلاً ومعبراً، وأكسب الفيلم إطاره اللامع.
وفي النهاية، تعترف الحكومة بسكان هذه القرية، وتقرر بناء محطة لتوقف القطار فيها، وقد أطلق عليها "بيدي" اسم محطة "أبلاسوري" تيمناً بالعجوز الذي ظل يرفع العلم الأحمر 30 سنة من أجل توقف القطار.
فيلم منسجم ومتناغم في الحركة والأجواء، يضع أسلوب السرد في وسط الحدث، واستطاع المخرج باتشي بابو سانا -وهو مَن كتب قصة الفيلم أيضاً، وأحد الأسماء الهامة في سينما "التاميل"- بأسلوبه الخاص أن يكشف عن موهبة وحس فني كبير، وفهم تام للغة السينمائية التي يتعامل بها؛ بدءاً باللقطة، مروراً بالمشهد، وخلق علاقة جدلية بين المشاهد وكل ما يدور أمامه. كما تبرز حرفية فائقة في تنفيذ مشهد النهاية عندما يقف الممثل "بومان إيراني" أمام تمثال "بيدي" بجانب سكة القطار، وتعكس الكاميرا ردود أفعال الناس من عدة زوايا تحتاج إلى دقة متناهية في وضع الكاميرا
