+A
A-

علي نوري: تأهل العراق إلى كأس العالم إنجاز تاريخي.. لكن المشاركة كشفت الحاجة إلى مراجعة شاملة

 

  • اختيارات المجاملة والأخطاء الدفاعية صنعت الحصيلة الثقيلة
  • الفوضى الإدارية داخل المعسكر أثرت على تركيز اللاعبين
  • خليجي السعودية يجب أن يكون نقطة انطلاق لمنتخب عراقي جديد

يرى الإعلامي العراقي علي نوري، في حديثه الخاص لـ"البلاد الرياضي"، أن العودة إلى نهائيات كأس العالم بعد غياب امتد لأربعة عقود تمثل بحد ذاتها إنجازاً تاريخياً يحسب لكرة القدم العراقية، لأنها أعادت المنتخب الوطني إلى أهم محفل كروي عالمي بعد سنوات طويلة من الانتظار، ومنحت الجماهير العراقية لحظة طالما كانت تحلم بها، إلا أن هذا الإنجاز لا يمكن أن يكون مبرراً لتقييم المشاركة نفسها بصورة إيجابية، لأن ما تحقق في أرض البطولة جاء بعيداً عن الطموحات التي كانت معلقة على المنتخب.


علي نوريويؤكد أن الجماهير والإعلام العراقيين لم يكونا ينتظران فقط تسجيل حضور شرفي في النهائيات، وإنما كانا يأملان في أن يقدم المنتخب مستويات فنية تليق باسم الكرة العراقية، وأن يخرج بصورة تنافسية حتى وإن كانت المجموعة تضم منتخبات كبيرة تمتلك خبرات وإمكانات أعلى.
ويشير إلى أن مواجهة منتخبات بحجم فرنسا والنرويج والسنغال كانت تمثل تحدياً كبيراً منذ البداية، لكن ذلك لا يعني القبول بالخروج بهذه الصورة، ولا سيما أن المنتخب أنهى مشاركته من الدور الأول بعدما استقبل اثني عشر هدفاً، وهي حصيلة ثقيلة جعلت المشاركة، من وجهة نظره، مخيبة للآمال وغير ملبية لتطلعات الجماهير العراقية، مؤكداً أن تقييم البطولة يجب أن يكون قائماً على ما قدمه المنتخب داخل الملعب وليس على مجرد الوصول إلى النهائيات.

ويضيف أن الحديث عن قوة المنافسين لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر دائم، لأن المنتخبات التي تصل إلى كأس العالم مطالبة بأن تقدم صورة تعكس تطورها الحقيقي، وهو ما لم يتحقق بالشكل المطلوب، الأمر الذي يجعل الوقوف عند أسباب هذا الإخفاق ضرورة لا يمكن تجاوزها إذا أراد العراق البناء بصورة صحيحة للمستقبل.

اختيارات قائمة المنتخب... بين القناعة الفنية والتكريم
ويعتقد نوري أن أحد أبرز الأسباب الفنية التي أسهمت في هذه المشاركة المتواضعة يتمثل في طريقة اختيار قائمة المنتخب، إذ يرى أن عدداً من اللاعبين تم استدعاؤهم إلى كأس العالم بدافع التكريم أكثر من كونهم الخيار الأفضل من الناحية الفنية.
ويشير إلى أن هذه الملاحظات لم تقتصر على مركز واحد، وإنما شملت أكثر من موقع داخل التشكيلة، وعلى وجه الخصوص مركز حراسة المرمى، إضافة إلى بعض اللاعبين في خط الدفاع، معتبراً أن الجهاز الفني اعتمد على أسماء لم يكن وجودها نابعاً من قناعة فنية كاملة بقدرتها على تقديم الإضافة المطلوبة خلال بطولة بهذا الحجم.
ويرى أن بطولات بحجم كأس العالم يجب أن تكون قائمة على الجاهزية الفنية فقط، وأن أي اعتبارات أخرى قد تنعكس سلباً على أداء الفريق، لأن كل مركز يحتاج إلى اللاعب الأكثر قدرة على تقديم المستوى المطلوب، بعيداً عن أي حسابات أخرى.

غياب المواهب الشابة أضاع فرصة بناء المستقبل
ويؤكد الإعلامي العراقي أن المنتخب كان يمتلك فرصة ثمينة لمنح عدد من المواهب الشابة خبرة المشاركة في كأس العالم، إلا أن هذه الفرصة لم تستثمر بالشكل المطلوب.
ويلفت إلى أن هناك لاعبين صغاراً في السن كانوا يستحقون التواجد مع المنتخب الوطني، وفي مقدمتهم يوسف النصراوي، لاعب رديف بايرن ميونخ، إضافة إلى حيدر عبد الكريم، لاعب النصر السعودي، مشيراً إلى أن اللاعبين لا يزالان في الثامنة عشرة والتاسعة عشرة من العمر، وكان يمكن أن يشكلا استثماراً مهماً لمستقبل الكرة العراقية.
ويؤكد أن إشراك مثل هؤلاء اللاعبين في بطولة عالمية، حتى وإن كانت مشاركاتهم محدودة، كان سيمنحهم خبرة لا تقدر بثمن، ويؤسس لمنتخب يستطيع الاستفادة منهم طوال خمسة عشر عاماً مقبلة، إلا أن الجهاز الفني كانت لديه رؤية مختلفة تقوم على الاعتماد بصورة أكبر على أصحاب الخبرة.
ويرى أن احترام رؤية الجهاز الفني لا يمنع من مناقشتها، لأن بناء المنتخبات لا يقتصر على التفكير في البطولة الحالية فقط، وإنما يتطلب أيضاً التخطيط لما هو أبعد من ذلك.

الدفاع... الأزمة المزمنة للمنتخب العراقي
ويرى نوري أن استقبال المنتخب العراقي اثني عشر هدفاً لم يكن وليد الصدفة، وإنما نتيجة مشكلات واضحة في المنظومة الدفاعية، مؤكداً أن الخط الخلفي يمثل الأزمة المزمنة التي رافقت الكرة العراقية طوال سنوات.
ويشير إلى أن المشكلة لا تكمن في طرفي الدفاع، وإنما في مركزي قلبي الدفاع، اللذين يعتبرهما مصدر أغلب الأخطاء التي يعاني منها المنتخب في مختلف البطولات.
ويضيف أن ما حدث في كأس العالم أعاد التأكيد على هذه المشكلة، بعدما ارتكب بعض المدافعين، ومن بينهم زيد تحسين وريبين سلاقه، أخطاء وصفها بالساذجة والبدائية، انعكست بصورة مباشرة على نتائج المنتخب.
ويؤكد أن هذه الأخطاء كانت سبباً في الخسارة أمام النرويج بأربعة أهداف، كما كان لها تأثير واضح في مواجهة فرنسا، رغم أن المنتخب قدم شوطاً أول جيداً، قبل أن تنتهي المباراة بثلاثية، وكذلك الحال أمام السنغال التي انتهت بخمسة أهداف.

شخصية المنتخب كانت حاضرة... حتى الدقيقة السبعين
ويشير نوري إلى أن قراءة المباريات لا ينبغي أن تقتصر على النتائج النهائية، لأن المنتخب العراقي كان يقدم صورة مختلفة خلال أجزاء كبيرة من اللقاءات.
ويرى أن المنتخب كان ينجح في مجاراة منافسيه خلال الشوط الأول، ويكتسب ثقة متزايدة كلما مرت الدقائق دون أن تهتز شباكه، خصوصاً عندما يتجاوز الدقائق العشرين والثلاثين والخامسة والثلاثين محافظاً على التعادل.
لكن هذه الصورة كانت تتغير بصورة واضحة مع اقتراب الدقائق الأخيرة، إذ يبدأ الانخفاض البدني والذهني، لتظهر الأخطاء الدفاعية بصورة أكبر، وخاصة بعد الدقيقة السبعين أو الخامسة والسبعين، وهو ما كلف المنتخب كثيراً خلال البطولة.
ويؤكد أن الفوارق الفنية بين العراق ومنتخبات فرنسا والنرويج والسنغال كانت واضحة، ولا يمكن تجاهلها، إلا أن المنتخب أثبت خلال فترات طويلة من المباريات أنه قادر على المنافسة، قبل أن تنهار المنظومة الدفاعية في الأوقات الحاسمة.

الفوضى الإدارية ألقت بظلالها على المنتخب
ولا يحمّل نوري الجانب الفني وحده مسؤولية ما حدث، بل يرى أن الإدارة تتحمل جانباً كبيراً من الإخفاق.
ويؤكد أن الأخطاء الإدارية ليست جديدة على الكرة العراقية، وإنما تتكرر في مختلف المشاركات، سواء في كأس الخليج أو كأس آسيا أو غيرهما من البطولات.
ويشير إلى أن ما حدث داخل مقر إقامة المنتخب في كأس العالم يمثل مثالاً واضحاً على هذه الإشكالات، بعدما شهد الفندق حضوراً كبيراً للجماهير بالقرب من اللاعبين، ووصولهم إلى ردهة الفندق بصورة مستمرة.
ويرى أن التقاط الصور مع الجماهير أو اللقاء بهم ليس مشكلة في حد ذاته، لكنه يحتاج إلى تنظيم وتوقيت مناسبين، لأن اللاعب يحتاج إلى الهدوء والتركيز داخل مقر إقامته، بينما كانت الجماهير تتحرك بحرية داخل الفندق، وهو أمر لم يحدث مع المنتخبات الأخرى المشاركة.
ويؤكد أن إدارة الوفد لم تتمكن من فرض الانضباط المطلوب أو التعامل مع هذه المواقف بالشكل الصحيح، وهو ما انعكس سلباً على تركيز اللاعبين.
ويذهب إلى أن نسبة كبيرة من الإخفاق تعود إلى هذا الجانب، مقدراً تأثير الخلل الإداري والفوضى التنظيمية بما يتراوح بين 70 و80 في المئة من مجمل المشكلات التي رافقت المنتخب خلال البطولة.

الاستقرار الفني أفضل من تغيير الجهاز
ورغم الانتقادات التي وجهها للمشاركة، فإن نوري لا يرى أن تغيير الجهاز الفني يمثل الحل المناسب في هذه المرحلة.
ويؤكد دعمه لاستمرار المدرب جراهام، مع منحه فرصة إضافية تمتد لعام آخر على الأقل، حتى يقود المنتخب في البطولتين اللتين لم يخضهما بعد، وهما كأس الخليج ثم كأس آسيا.
ويرى أن كأس الخليج يجب أن تكون محطة إعداد حقيقية قبل كأس آسيا، وإذا نجح الجهاز الفني في تحقيق نتائج إيجابية خلال هذين الاستحقاقين، فإن الاستمرار سيكون أمراً طبيعياً.
ويشدد على أن المشكلة لا تكمن في تغيير المدربين بصورة مستمرة، وإنما في تشخيص الأخطاء الحقيقية ومعالجتها بصورة عملية.

مرحلة إحلال وتجديد لا بد منها
وفي المقابل، يؤكد نوري أن التغيير يجب أن يتركز في قائمة اللاعبين أكثر من الجهاز الفني.
ويرى أن المنتخب بحاجة إلى مراجعة دقيقة للتشكيلة الحالية، بحيث يكون معيار الاختيار هو اللاعب الأفضل والأكثر استحقاقاً، بعيداً عن أي مجاملات.
ويشير إلى أن المرحلة المقبلة تتطلب تنفيذ عملية إحلال وتجديد واسعة، تبدأ بإبعاد ما لا يقل عن سبعة أو ثمانية لاعبين، وربما يصل العدد إلى عشرة لاعبين، من أجل بناء منتخب جديد يمتلك القدرة على المنافسة في البطولات القارية والتأهل إلى كأس العالم المقبلة.
ويؤكد أن هذه الخطوة تمثل ضرورة وليست خياراً، إذا كان الهدف هو صناعة منتخب قادر على التطور خلال السنوات المقبلة.

كأس الخليج... محطة إعداد وليست هدفاً نهائياً
ويرى نوري أن بطولة كأس الخليج المقبلة تكتسب أهمية استثنائية بالنسبة للمنتخب العراقي، خاصة أنها تأتي بعد مشاركة وصفها بالمخيبة في كأس العالم، وبعد خيبة أخرى في "خليجي 26"، علماً بأن العراق كان بطلاً لـ"خليجي 25".
ويؤكد أن الجماهير العراقية تنتظر رؤية معالجات حقيقية للأخطاء التي ظهرت في كأس العالم، سواء عبر استدعاء لاعبين جدد أو تطوير المنظومة الإدارية أو تصحيح آلية إدارة الوفود الخارجية.
ويرى أن الأهم من النتائج في البطولة الخليجية هو أن يعلن الاتحاد العراقي بوضوح بدء مرحلة التغيير، من خلال ضم ما بين ثمانية وعشرة لاعبين جدد من الدوري العراقي أو من اللاعبين المحترفين.
ويشدد على أن كأس الخليج يجب أن تكون محطة تحضيرية مثالية لكأس آسيا، وليس بطولة يقاس نجاحها فقط بعدد الانتصارات أو الألقاب.

الأكاديميات... مشروع تجاري لا يصنع المواهب
ويتناول نوري ملف الأكاديميات الكروية، مؤكداً أن العراق يمتلك ثروة كبيرة من المواهب الطبيعية، وأنه كان ولا يزال بلداً يخرج اللاعبين المميزين رغم الظروف الصعبة وقلة الدعم.
إلا أنه لا يرى أن واقع الأكاديميات الحالي قادر على خدمة الكرة العراقية، لأن الأندية العراقية، بحسب رأيه، لا تمتلك أكاديميات حقيقية تابعة لها.
ويشير إلى أنه لا توجد أكاديميات فعلية لأندية مثل الزوراء أو القوة الجوية أو الشرطة أو الطلبة أو أربيل، وإنما الموجود عبارة عن أكاديميات تجارية تحمل أسماء أندية عالمية مثل ريال مدريد وريال بيتيس وبرشلونة.
ويرى أن هذه الأكاديميات تهدف إلى تحقيق العائد المالي أكثر من اهتمامها باكتشاف الموهبة الحقيقية، إذ تستقبل أي لاعب يدفع الرسوم المطلوبة، بدلاً من البحث عن العناصر التي تمتلك الموهبة الفطرية والعمل على تطويرها.
ويضيف أن كثيراً من العائلات تنفق أموالاً كبيرة أملاً في صناعة مستقبل كروي لأبنائها، بينما لا يمتلك بعض هؤلاء الأطفال المقومات الأساسية للاعب كرة القدم، الأمر الذي يجعل هذه الأكاديميات تستفيد مالياً دون أن تقدم المنتج الكروي الحقيقي.
ولهذا يؤكد أنه غير مقتنع بالنموذج الحالي، ويرى أن تطوير المواهب لن يتحقق إلا بوجود أكاديميات رسمية تتبع الدولة أو الأندية، تعمل وفق أسس احترافية تهدف إلى صناعة اللاعب وليس إلى تحقيق الأرباح.

ثلاث توصيات لإعادة بناء المنتخب
ويختتم نوري رؤيته بمجموعة من التوصيات التي يرى أنها تمثل مدخلاً لإعادة تصحيح مسار المنتخب العراقي خلال المرحلة المقبلة.
ويؤكد أن أولى هذه التوصيات تتمثل في تعيين مشرف على المنتخب الوطني من خارج منظومة الاتحاد العراقي لكرة القدم، على أن يكون لاعباً دولياً سابقاً يمتلك الشخصية والخبرة الكافيتين لضبط إيقاع المنتخب وإدارة شؤونه بعيداً عن التعقيدات الإدارية.
أما التوصية الثانية فتتمثل في فرض انضباط إداري كامل على بعثة المنتخب خلال البطولات المقبلة، ولا سيما كأس الخليج وكأس آسيا في المملكة العربية السعودية، من خلال عزل البعثة بصورة كاملة عن الجماهير داخل مقر الإقامة، مع السماح للجماهير بدعم المنتخب في الملاعب فقط، حفاظاً على تركيز اللاعبين.
ويرى أن فتح معسكر المنتخب أمام الجماهير يعد خطأً إدارياً واضحاً يجب عدم تكراره مستقبلاً.
أما التوصية الثالثة فتتمثل في ضرورة أن يمد الاتحاد العراقي الحالي لكرة القدم جسور التواصل مع مختلف وسائل الإعلام، وألا يقتصر تعامله على وسائل إعلام محددة أو قريبة منه، لأن العلاقة الصحية مع الإعلام تمثل أحد عوامل نجاح المنتخبات الوطنية.
ويؤكد في ختام حديثه أن كأس الخليج وكأس آسيا يجب ألا ينظر إليهما باعتبارهما مجرد بطولتين منفصلتين، بل ينبغي استثمارهما لتأسيس منتخب عراقي قوي قادر على مقارعة المنتخبات الكبرى، خاصة أن تصفيات كأس العالم 2030 ستبدأ في نهاية عام 2027 وبداية عام 2028، وهو ما يجعل المرحلة الحالية فرصة حقيقية لوضع الأساس الصحيح لمستقبل الكرة العراقية، حتى يكون المنتخب أكثر جاهزية واستقراراً وقدرة على المنافسة في الاستحقاقات المقبلة.