(لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ) (البلد: 4)؛ فالحياة الدنيا إطارٌ لا يخلو من الآلام والمعاناة. غير أنّ بمقدورنا أن نستثمر هذه المشاعر وإن كانت موجعة؛ فالذهن حين يبلغ ذروة الألم يُشَلّ عن كفاءته، وتهبط النفس والمعنويات إلى أدنى درجاتها، لكنّ هذا المنعطف نفسه بوابةٌ إلى قوةٍ أعظم.
إنّ بلوغ الذروة في الألم نقطةٌ بالغة الحساسية، لا ينبغي للمرء أن يقسو فيها على نفسه؛ بل يتقبّلها ويعبرها بهدوءٍ وتسامحٍ مع ما يعتريه من قصورٍ ومشاعر. بل إنّ الألم، إذا أُحسِن تلقّيه، يجعل الإنسان أرقّ قلبًا وأكثر مراعاةً لذاته ولمن حوله، فيغدو أرحمَ وأعمقَ فهمًا لأوجاع الآخرين. وهنا بالذات يمكن أن نُعيد برمجة العقل بدل أن ينزوي في زاويةٍ مظلمة؛ إذ كثيرًا ما يقاوم الإنسانُ ألمَه بعنادٍ لا واعٍ، فيندفع باحثًا عمّا يُثبت به نفسه وجدارته، فيبلغ النجاح من حيث لا يحتسب. فأكثر النجاحات والإبداعات وليدةُ المعاناة لا الرفاهية، التي قد تقود أحيانًا إلى الاكتئاب والعزلة. ويكون أثر الألم في أصحاب الأعمال الذهنية والفنية أشدّ، كالكُتّاب حين يجفّ القلم وتنضب الأفكار؛ ثم لا يلبث الذهن أن يُعيد ترتيب نفسه، فيصهر ما مرّ به في أعماله لتزداد جمالًا وتألقًا.
فعند المحنة نستشعر الفرج بإذن الله، فهما مقرونان لا يفترقان، ونتقبّل الحزن منحنًى في الحياة يشبه تخطيط القلب؛ فلو استقام خطُّ السعادة مستقيمًا لتوقفت الحياة كما يتوقف النبض. تلك المنحنياتُ القاسية إيقاعُ الحياة، تنقلنا من فرجٍ إلى فرح. و”الضربة اللي ما تكسرك تقويك” مثلٌ يصدُق على الفرد والدولة والإقليم والعالم؛ فكلُّ عُسرٍ سيمرّ، وكلُّ أزمةٍ مهما اشتدّت سنتجاوزها، ونخرج منها أقوى وأنضج، أفرادًا وشعوبًا ودولًا. فعند ذروة الألم تُولد ذروةُ القوة، ولا تتّضح الرؤية إلا بعد المضيّ قُدُمًا.
*كاتبة بحرينية وباحثة قانونية