العدد 6471
الجمعة 03 يوليو 2026
علي عبدالله خليفة... البحرين قصيدته للعالم
الجمعة 03 يوليو 2026

 ليست الكتابة عن فقيد الساحة الأدبية العربية، علي عبدالله خليفة، في الساعات الأولى من رحيله أمرًا يسيرًا، فالفاجعة كانت عظيمة والصدمة موجعة لكلّ أحبائه وأصدقائه في الوطن العربي والعالم؛ لذا جاءت كلماتهم نعيًا مُثقلًا بصدق المشاعر تقدّمت فيه الدموع على الحروف؛ كيف لا وأنت في حضرة شخصية إنسانية وقامة أدبية ورحلةٍ ثقافيةٍ استثنائيّة لشاعر رقيق وباحث دقيق في قضايا التراث الشعبي.. عشق وطنه البحرين فنقله في إطار مشروع ثقافي متكامل من المحلية إلى العربية فالعالمية.
لقد استطاع الفقيد، من خلال دواوينه ومشاركاته في العديد من الملتقيات الشعرية والمؤتمرات الأدبية، أن يجعل البحرين قصيدة حاضرةً في المشهد الشعري العربي حضورًا مميّزًا لافتًا؛ إذْ لم يكن علي عبدالله خليفة صوتًا محليًّا ولا خليجيًّا فحسب، إنّما عبر بالبحرين من خلال شعره إلى الفضاء العربي لتعبّر قصيدته عن قضاياه وآلامه وآماله؛ فقد انطلق من النخلة والبحر واللؤلؤ والقرية الخليجية، ثمّ صاغ منها رموزًا إنسانية يفهمها القارئ في كل مكان.
لكنّ طموح الشاعر كان أبعد من ذلك، وإبداعه كان أوسع من أن ينحصر في مجاله الخليجي والعربي؛ فقد عبرت قصيدته القارات وتُرجمت مختارات من شعره إلى عدد من اللغات، وأستحضر هنا على سبيل الذكر لا الحصر العمل الفني الرائع (وشائج) أحد أبرز مشروعاته الشعرية والذي صدر سنة 2009 بفرنسا؛ فقد ضمّ مختارات من أشعاره بالفصحى والمحكية مُترجمة إلى الفرنسية مرفقة بلوحات فنية للفنانة الفرنسية شانتال لوجندر في حوار ثقافي فني ملهم.  

وفي هذا السياق كان حقًّا رائدًا من رواد الدبلوماسية الثقافية البحرينية إذْ لم يكتفِ بكتابة الشعر، بل استطاع أن يلعب دورًا ثقافيّا مؤسسيًّا من خلال بناء جسور التعاون بين المبدعين العرب والعالم في فترات رئاسته للمنظمات والهيئات الثقافية، كما شكّلت علاقاته الطيّبة مع البعثات الدبلوماسية العربية فرصة لتبادل الحضور الثقافي بين البحرين وشقيقاتها العربية. ولم تقتصر جهوده الثقافية على البحث والإبداع، فقد أسّس مجلات ودار نشر وساهم في إنشاء مراكز ثقافيّة وإدارتها؛ لأنّه آمن أنّ ازدهار الأدب يحتاج إلى مؤسّسات ترعى الإبداع وتحفظ الذاكرة الثقافية.
كما جمع فقيدنا بين الإبداع الشعري والبحث العلمي في التراث الشعبيّ، فحوّل الموروث البحرينيّ والخليجيّ إلى مادّة للحوار الثقافيّ لا مجرّد ذاكرة محليّة، فكان التراث معه بوّابة إلى العالميّة، خصوصًا أنّه ترأس المنظمة الدوليّة للفنّ الشعبيّ، وقدّم البحرين في المحافل الدولية بوصفها فضاءً حضاريًّا غنيًّا بالشعر والتراث، وأسهم في ترسيخ صورتها الثقافية في الوعي العربي والدوليّ، وجعل الثقافة البحرينيّة حاضرة في حوارات التراث الإنساني، فكان شاعرًا مبدعًا وباحثًا مرجعيًّا في مجاله وخير سفير للهوية البحرينيّة والدبلوماسيّة الثقافيّة.
أخيرًا وليس آخر ماذا تعلّمنا من علي عبدالله خليفة - رحمه الله -؟ تعلمنا أنّ الثقافة رسالة وطنية وإنسانية. ومَنْ يُكمِل مشروعه؟ ثقته كبيرة في أجيال المثقفين الشباب الذين تعلموا من مشروعه وآمنوا برسالة الثقافة في زمن العولمة.

كاتب تونسي ومدير تحرير مجلة البحرين الخيرية 

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .