+A
A-

السهر لمتابعة كأس العالم قد يتحول من متعة كروية إلى خطر صحي يهدد الجسد والعقل

  • النوم العميق مصنع الترميم الحيوي الذي يفقده الساهرون
  • اضطرابات النوم ترفع مخاطر السكري والسمنة وأمراض القلب
  • الطلبة والأطفال الأكثر تضرراً خلال البطولات الكبرى
  • القهوة ومشروبات الطاقة تمنح يقظة مؤقتة وتسرق النوم الصحي
  • استعادة الساعة البيولوجية بعد البطولة تحتاج إلى خطة تدريجية

تتحول ليالي كأس العالم في كثير من الأحيان إلى مناسبة استثنائية لعشاق كرة القدم الذين يحرصون على متابعة المباريات حتى ساعات الفجر الأولى، خصوصاً عندما تُقام البطولة في مناطق زمنية مختلفة. وبينما يعيش المشجعون أجواء الحماس والترقب من مباراة إلى أخرى، تبرز تساؤلات صحية مهمة حول تأثير السهر المتكرر على الجسم والعقل، وانعكاساته على الأداء اليومي والصحة العامة.

وفي هذا الحوار، يسلط الدكتور يوسف أحمد التحو، أخصائي طب العائلة، الضوء على التداعيات الصحية المرتبطة باضطرابات النوم خلالد. يوسف التحو البطولات الرياضية الكبرى، موضحاً تأثير السهر على المناعة والقلب والقدرات الذهنية والصحة النفسية، كما يقدم مجموعة من النصائح العملية التي تساعد الجماهير على تحقيق التوازن بين الاستمتاع بالمنافسات الكروية والمحافظة على صحتهم.

كيف يؤثر السهر لمتابعة مباريات كأس العالم على الصحة العامة للإنسان؟

أوضح الدكتور يوسف التحو أن السهر المتكرر يؤدي إلى اضطراب واضح في الوظائف الحيوية للجسم، إذ يحرم الإنسان من إتمام العديد من العمليات الأساسية التي تحدث أثناء النوم العميق، وفي مقدمتها عمليات الترميم الخلوي والتوازن الهرموني وتنظيم التفاعلات الأيضية المختلفة. وأكد أن النوم ليس مجرد فترة راحة، بل يعد مرحلة حيوية تستعيد خلالها أجهزة الجسم نشاطها وكفاءتها، وبالتالي فإن حرمان الجسم من هذه المرحلة بصورة متكررة ينعكس سلباً على الصحة العامة مع مرور الوقت.

ما عدد ساعات النوم التي يحتاجها البالغ يومياً للحفاظ على صحته وأدائه الطبيعي؟

وأشار التحو إلى أن البالغين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و64 عاماً يحتاجون إلى ما بين سبع وتسع ساعات من النوم الليلي المتواصل يومياً، من أجل الحفاظ على الصحة الجسدية والعقلية وضمان الأداء الطبيعي في مختلف الأنشطة اليومية، موضحاً أن الانتظام في ساعات النوم لا يقل أهمية عن عدد الساعات نفسها.

ما أبرز الأعراض التي قد تظهر على الأشخاص الذين يعانون من قلة النوم خلال فترة البطولة؟

بيّن التحو أن الحرمان من النوم ينعكس على الجسم بعدد من العلامات المباشرة، أبرزها الشعور المستمر بالإجهاد والخمول البدني، إضافة إلى الإصابة بالصداع التوتري. كما قد يعاني الشخص من حرقة وجفاف العينين وزغللة الرؤية، فضلاً عن التقلبات المزاجية السريعة وسرعة الانفعال، وهي أعراض تظهر بصورة أوضح مع استمرار السهر لعدة أيام متتالية.

كيف يؤثر اضطراب النوم على التركيز والانتباه والإنتاجية في العمل أو بالنسبة إلى الطلاب؟

أكد التحو أن قلة النوم تؤدي إلى تباطؤ السيالات العصبية داخل الدماغ، الأمر الذي ينعكس مباشرة على القدرات الذهنية. ويظهر ذلك من خلال بطء زمن رد الفعل، وتشتت الانتباه، وصعوبة اتخاذ القرارات السليمة. كما ترتفع معدلات الأخطاء المهنية، ويزداد خطر التعرض لحوادث السير نتيجة تراجع التركيز واليقظة.

هل يمكن أن يؤدي السهر المتكرر إلى مشكلات صحية طويلة المدى؟ وما أبرزها؟

أوضح التحو أن السهر المزمن لا يقتصر تأثيره على الإرهاق المؤقت، بل قد يسهم في ظهور عدد من الأمراض الخطيرة على المدى البعيد، من بينها مقاومة الإنسولين والإصابة بمرض السكري من النوع الثاني. كما يؤدي إلى اضطراب هرمونات الجوع والشبع، مثل الليبتين والغريلين، وهو ما يزيد احتمالات الإصابة بالسمنة المفرطة. كذلك يرتبط السهر المزمن بارتفاع خطر الإصابة بمتلازمة الأيض أو متلازمة التمثيل الغذائي.

ما تأثير السهر المتواصل على الصحة النفسية والمزاج؟

لفت التحو إلى أن السهر المستمر يؤثر بصورة مباشرة على إفراز النواقل العصبية المهمة في الدماغ، مثل السيروتونين والدوبامين، وهما عنصران أساسيان في تنظيم الحالة النفسية والمزاج. ونتيجة لذلك ترتفع احتمالات الإصابة باضطرابات القلق الحاد والاكتئاب، كما تزداد سرعة الاستثارة والانفعال والغضب.

كيف تتأثر المناعة وصحة القلب نتيجة اضطرابات النوم المتكررة؟

أوضح التحو أن اضطرابات النوم تؤثر على الجهاز المناعي من خلال تقليل إنتاج السيتوكينات، وهي بروتينات مسؤولة عن مكافحة العدوى والالتهابات، ما يجعل الجسم أكثر عرضة للإصابة بالأمراض الفيروسية ومختلف أنواع العدوى.

أما فيما يتعلق بصحة القلب، فأشار إلى أن السهر يؤدي إلى تنشيط الجهاز العصبي السمبثاوي بصورة مستمرة، وهو ما يرفع ضغط الدم ومعدل ضربات القلب، ويزيد احتمالات الإصابة بالنوبات القلبية والسكتات الدماغية على المدى الطويل.

ما المقصود بالساعة البيولوجية للجسم؟ وكيف يؤثر السهر على عملها؟

شرح التحو أن الساعة البيولوجية أو ما يعرف بالإيقاع اليومي هي دورة داخلية تستغرق نحو 24 ساعة، ويتولى الدماغ تنظيمها من خلال النواة فوق التصالبية التي تضبط النوم والاستيقاظ تبعاً للضوء والظلام. وأكد أن السهر والتعرض المستمر للإضاءة الاصطناعية خلال ساعات الليل يؤديان إلى تثبيط إفراز هرمون الميلاتونين المسؤول عن النعاس والنوم، ما يسبب اضطراباً واضحاً في عمل الساعة البيولوجية.

هل يمكن تعويض النوم الليلي من خلال النوم في ساعات النهار؟

يرى التحو أن النوم النهاري لا يستطيع تعويض النوم الليلي بشكل كامل، لأن جودته وعمقه يختلفان عن النوم الطبيعي ليلاً. كما أن النوم خلال النهار لا يمر دائماً بجميع المراحل الأساسية للنوم، وخصوصاً مرحلة النوم العميق ومرحلة حركة العين السريعة، بسبب تأثير الضوء والضوضاء والعوامل البيئية المحيطة.

لماذا يُعد النوم الليلي أكثر فائدة من النوم المتقطع أو النهاري؟

أوضح التحو أن الجسم مبرمج بيولوجياً وجينياً على تنفيذ عدد من العمليات الحيوية المهمة خلال ساعات الليل، ومنها إفراز هرمونات النمو، وإصلاح الأنسجة، والتخلص من السموم المتراكمة في الدماغ عبر النظام الغليمفاوي، وهي عمليات لا تتحقق بالكفاءة ذاتها أثناء النوم النهاري أو المتقطع.

ما الفئات العمرية الأكثر تأثراً بالسهر خلال البطولات الرياضية الكبرى؟

أكد التحو أن الأطفال والمراهقين يتصدرون قائمة الفئات الأكثر تأثراً بالسهر، لأن أجسامهم وأدمغتهم ما زالت في مراحل النمو والتطور، كما أنهم يحتاجون إلى مستويات أعلى من هرمون النمو الذي يُفرز بشكل أساسي خلال الليل.

وأضاف أن كبار السن يتأثرون أيضاً بصورة كبيرة بسبب انخفاض مرونة الساعة البيولوجية لديهم، وصعوبة عودتهم إلى نمط النوم الطبيعي بعد فترات السهر الطويلة.

كيف ينعكس السهر على طلبة المدارس والجامعات من الناحية الدراسية؟

أشار التحو إلى أن قلة النوم تؤثر بشكل مباشر على الفص الجبهي في الدماغ، وهو الجزء المسؤول عن التركيز والتخطيط واتخاذ القرارات. وينتج عن ذلك ضعف الذاكرة قصيرة المدى، واضطراب عملية ترسيخ المعلومات واستيعابها، إضافة إلى تراجع مستوى التحصيل الأكاديمي وانخفاض نتائج الاختبارات والامتحانات.

ما النصائح التي توجهونها لأولياء الأمور خلال فترة كأس العالم؟

دعا التحو أولياء الأمور إلى وضع ضوابط واضحة للسهر، خصوصاً خلال أيام الدراسة والاختبارات، مع ضرورة متابعة الحالة النفسية للأبناء والحد من التوتر والانفعالات المصاحبة للمباريات. كما شدد على أهمية عدم تحويل السهر إلى عادة يومية طوال فترة البطولة.

كيف يمكن للأسر تحقيق التوازن بين الاستمتاع بالمباريات والحفاظ على صحة الأبناء؟

يرى التحو أن تحقيق هذا التوازن ممكن من خلال اختيار المباريات المهمة أو المبكرة فقط للمشاهدة، مع إمكانية تسجيل اللقاءات المتأخرة أو الاكتفاء بمتابعة ملخصاتها في اليوم التالي، بما يضمن الحفاظ على مواعيد النوم الطبيعية للأطفال والمراهقين.

هل تنصحون بمشاهدة جميع المباريات أم اختيار اللقاءات الأكثر أهمية؟ ولماذا؟

أكد التحو أنه لا ينصح بمشاهدة جميع مباريات البطولة، بل يفضل اختيار اللقاءات الأكثر أهمية، سواء مباريات المنتخبات المفضلة أو الأدوار الإقصائية، وذلك لتجنب تراكم ما يعرف بديون النوم، والتي قد تتسبب في مشكلات صحية متراكمة يصعب تعويضها لاحقاً.

ما تأثير المشروبات المنبهة مثل القهوة ومشروبات الطاقة عند تناولها ليلاً؟

أوضح التحو أن الكافيين الموجود في القهوة والشاي ومشروبات الطاقة يعمل على تعطيل مستقبلات الأدينوسين المسؤولة عن الشعور بالنعاس داخل الدماغ. وأضاف أن الكافيين يبقى في الجسم لفترة طويلة قد تصل إلى سبع ساعات، ما يعيق الدخول في مراحل النوم العميق حتى لو بدا للشخص أنه نام بصورة طبيعية.

هل تؤثر الوجبات الدسمة المتأخرة في جودة النوم؟

أشار التحو إلى أن تناول الوجبات الغنية بالدهون والبروتينات في ساعات متأخرة من الليل يسبب صعوبة في الهضم وارتجاعاً مريئياً، كما يرفع درجة حرارة الجسم الداخلية، وهو ما يؤدي إلى نوم متقطع ويزيد احتمالات الاستيقاظ المتكرر أثناء الليل.

ما أفضل العادات الصحية التي ينبغي اتباعها عند مشاهدة المباريات المتأخرة؟

نصح التحو بشرب كميات كافية من الماء لتجنب الجفاف، واستبدال الوجبات الخفيفة الدسمة والمالحة بخيارات صحية مثل الفواكه أو المكسرات النيئة بكميات معتدلة. كما أوصى بالحركة وتمديد العضلات خلال فترات الاستراحة بين الشوطين أو أثناء التوقفات، للمساعدة على تنشيط الدورة الدموية والحد من آثار الجلوس الطويل.

كيف يمكن للشخص العودة إلى نمط النوم الطبيعي بعد انتهاء البطولة؟

أوضح التحو أن العودة إلى النظام الطبيعي تحتاج إلى خطوات تدريجية، تبدأ بتقديم موعد النوم بمعدل يتراوح بين 15 و30 دقيقة يومياً، مع التعرض المباشر لأشعة الشمس فور الاستيقاظ صباحاً للمساعدة في إعادة ضبط الساعة البيولوجية. كما شدد على أهمية تثبيت موعد الاستيقاظ يومياً حتى خلال عطلات نهاية الأسبوع، والابتعاد عن الشاشات الإلكترونية قبل النوم بساعة على الأقل.

متى يصبح اضطراب النوم مؤشراً يستدعي مراجعة الطبيب؟

اختتم التحو حديثه بالتأكيد على ضرورة مراجعة الطبيب إذا استمرت اضطرابات النوم أو الأرق لأكثر من ثلاثة أسابيع بعد انتهاء البطولة، أو إذا صاحبها شخير شديد ونوبات اختناق أثناء النوم بما قد يشير إلى انقطاع النفس الانسدادي النومي. كما شدد على أهمية طلب المساعدة الطبية عند الشعور بإجهاد نهاري شديد يؤثر على أداء المهام اليومية أو يسبب النوم أثناء القيادة أو العمل، لما يمثله ذلك من مخاطر مباشرة على سلامة الفرد ومن حوله.