+A
A-

الفِنتك الخليجي.. صناعة جديدة تعيد رسم خريطة الاقتصاد بعد النفط

  • سوق الفِنتك الإماراتي سيرتفع من 2.97 مليار دولار في 2024 إلى 6.42 مليار دولار بحلول 2030

  • قطاع الذكاء الاصطناعي بلغ 35 % من الحصة السوقية للفِنتك الخليجي بحلول عام 2025

  • 65 % من البنوك الخليجية تحتاج إلى استثمارات ضخمة  لضمان التوافق مع بروتوكولات “API “

  • سوق الأصول الرقمية في المنطقة سيبلغ13.25 مليار دولار بحلول 2028

  • المعاملات الرقمية في المملكة العربية السعودية وحدها شكّلت 79 % من إجمالي المعاملات المالية خلال عام 2024

  • تُمثّل المملكة العربية السعودية أكبر سوق للفِنتك في المنطقة ومحرّكه الأقوى بفعل ثقلها الاقتصادي وكتلتها السكانية الشابة

 

 لم يعد قطاع التقنية المالية (الفِنتك) في منطقة الخليج العربي مجرد ظاهرة عابرة أو تجربة محدودة النطاق، بل تحوّل إلى ركيزة استراتيجية تُعيد تشكيل بنية الاقتصادات الخليجية وتُسرّع مسيرة التنويع بعيداً عن الاعتماد على النفط. 
فخلال السنوات الأخيرة، شهدت دول مجلس التعاون الخليجي نقلة نوعية في الخدمات المالية الرقمية، دفعتها رياحُ الإصلاح التنظيمي ورؤى التحوّل الوطني وشهية المستثمرين المتصاعدة نحو المشاريع التقنية. ويكشف هذا التقرير المستند إلى وثائق رسمية وتقارير دولية موثّقة عن ملامح هذا القطاع الصاعد، بأرقامه وتحدياته وآفاقه المستقبلية.
حجم السوق والمؤشرات الكلية
ووفقًا لتقرير مجموعة IMARC للبحوث الصادر عام 2025، بلغت قيمة سوق الفِنتك في دول مجلس التعاون الخليجي نحو 10.5 مليار دولار في عام 2025، ويُتوقع أن تقفز هذه القيمة إلى 29.8 مليار دولار بحلول عام 2032، بمعدل نمو سنوي مركّب يصل إلى 16.1 %. ويُعزى هذا النمو المتسارع إلى جملة من العوامل المتشابكة، أبرزها الإطار التنظيمي الداعم، والتحوّل الرقمي المتسارع، وارتفاع معدلات انتشار الهواتف الذكية التي تتجاوز  95 % من إجمالي السكان في معظم دول المجلس.
وعلى صعيد المدفوعات الرقمية المحرّك الأول للنمو في المنطقة تُشير بيانات البنك المركزي السعودي (ساما) إلى أن المعاملات الرقمية في المملكة العربية السعودية وحدها شكّلت 79 % من إجمالي المعاملات المالية خلال عام 2024، وهو ما يعكس تحوّلاً حقيقياً نحو اقتصاد لا نقدي. كما تُظهر التوقعات أن قيمة المعاملات الفورية عبر الحدود ستشهد ارتفاعاً بنسبة 289 % بين عامَي 2023 و2030، وهو ما يضع المنطقة في قلب مستقبل المدفوعات العالمي.
أما على صعيد التمويل الإسلامي الرقمي، فتُقدّر دراسة أصدرتها مؤسسة “DinarStandard” بالشراكة مع مركز قطر المالي ومعهد التنمية الإسلامية قيمة قطاع الفِنتك الإسلامي العالمي بنحو 198 مليار دولار خلال 2024-2025، مع توقعات بأن يبلغ 341 مليار دولار في حجم المعاملات بحلول عام 2029 بمعدل نمو سنوي مركّب 11.5 %. وتحتل دول الخليج مقعد الصدارة في هذا القطاع، إذ تتصدّر المملكة العربية السعودية بحصة سوقية تُقدَّر بـ 77.2 مليار دولار، تليها الإمارات بـ 10.5 مليار دولار.
البحرين: الرائد التنظيمي الإقليمي
تحتلّ مملكة البحرين موقعًا استثنائيًّا في خريطة الفِنتك الخليجي، إذ كانت أول دولة في المنطقة تطلق صندوق رملي تنظيميًّا للتقنية المالية عام 2017، ثم سبقت الجميع بإطلاق أول إطار تنظيمي مُنظَّم للخدمات المصرفية المفتوحة عام 2020، وذلك بالتعاون مع شركة ديلويت والجهات المحلية المعنية. ويُقسّم هذا الإطار الذي طوّره مصرف البحرين المركزي الخدماتِ إلى فئتين رئيسيتين: خدمات معلومات الحساب، وخدمات بدء الدفع. وفي عام 2024 وسّع المصرف نطاق الإطار ليشمل الكيانات القانونية بعد أن كان مقتصرًا على المستهلكين الأفراد.
وتُمثّل شركة Tarabut Gateway المؤسَّسة في البحرين النموذج الأكثر بروزًا في منظومة الخدمات المصرفية المفتوحة بالمنطقة، إذ باتت بحلول يونيو 2024 أكبر منصة للخدمات المصرفية المفتوحة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وتأتي Rain في المرتبة الثانية، كأول منصة لتداول الأصول المشفّرة خاضعة للرقابة التنظيمية في المنطقة، وقد أتمّت جمع تمويل بلغ 110 ملايين دولار في جولة من الفئة B عام 2022. وقد بات مركز Bahrain” FinTech Bay” الذي اندمج مع شركة”Benefit” في 2023 منصةً حاضنة أفرزت أكثر من 116 شركة ناشئة منذ تأسيسه عام 2018.
الإمارات: مزدوج القطبين والنافذة العالمية
تتميّز الإمارات ببنية تنظيمية متعددة الأطراف تجعلها نافذةً استثنائية للشركات الراغبة في الوصول إلى الأسواق الدولية. ففي إمارة دبي، تضمّ منطقة مركز دبي المالي العالمي (DIFC) أكثر من 600 شركة في مجال الفِنتك، وتعمل بموجب إطار قانوني يستند إلى القانون العام الإنجليزي، وهو ما يُضفي استقرارًا مؤسسيًّا عاليًا. وتُتيح هيئة الخدمات المالية في دبي (DFSA) تراخيص للرموز الاستثمارية والرموز المشفّرة، في حين أصدرت هيئة الأصول الافتراضية (VARA) في فبراير 2023 إطاراً شاملاً لتنظيم الأصول الرقمية استقطب كبرى منصات التداول العالمية.
أما في أبوظبي، فيُقدّم السوق المالي العالمي (ADGM) بيئته التنظيمية التجريبية” RegLab” التي تُتيح للشركات الناشئة اختبار نماذجها تحت رقابة مخفّفة قبل الحصول على الترخيص الكامل. وقد رسّخت استراتيجية البنك المركزي الإماراتي للفِنتك 2025 ومنظومة “Nebras” للتمويل المفتوح مكانةَ الإمارات وجهةً محورية إقليمياً. وتكشف أرقام السوق أن قيمته قفزت من 9.8 مليار دولار في عائدات المدفوعات عام 2018 إلى 18.8 مليار دولار عام 2023، مع توقعات وصولها إلى 27.3 مليار دولار بحلول 2028، وفقاً لبيانات وردت في دليل الممارسة القانونية Chambers للفِنتك 2025.
وتشير التوقعات الصادرة عن “Globenewswire “عام 2026 إلى أن سوق الفِنتك الإماراتي سيرتفع من 2.97 مليار دولار في 2024 إلى 6.42 مليار دولار بحلول 2030 بمعدل نمو سنوي مركّب 13.8 %، مع الإشارة إلى أن 89 % من المستهلكين الإماراتيين يمتلكون حسابات مصرفية رقمية في الوقت الحالي، وهو من أعلى معدلات التبنّي على مستوى العالم.
المملكة العربية السعودية: العملاق الناهض
تُمثّل المملكة العربية السعودية أكبر سوق للفِنتك في المنطقة ومحرّكه الأقوى بفعل ثقلها الاقتصادي وكتلتها السكانية الشابة. وقد أطلق البنك المركزي السعودي (ساما) في عام 2022 إطارًا للخدمات المصرفية المفتوحة بدأ بخدمات المعلومات وتوسّع عام 2024 ليشمل خدمات بدء الدفع، فيما يُشغّل مختبر Open Banking Lab بيئةً لاختبار الحلول البرمجية ومنح شهادات الاعتماد. وتُعدّ هذه المنظومة الداعمة أحد أهم أسباب ارتفاع عدد شركات الفِنتك العاملة في المملكة من 144 شركة عام 2021 إلى أكثر من 329 شركة عام 2024، أي بنسبة نمو تتجاوز 128 %.
وتكشف بيانات مبادرة “فِنتك السعودية” أن الاستثمارات الجريئة في القطاع ارتفعت من نحو 241 مليون دولار في 2024 إلى قرابة 621 مليون دولار خلال عام 2025، بزيادة تتجاوز 157 % في عام واحد. ويُجسّد ذلك اهتمامًا متصاعدًا من المستثمرين بالشركات الناشئة في مجال التقنية المالية، خصوصًا في قطاعات المدفوعات الرقمية والتمويل الجماعي والخدمات المصرفية المفتوحة. 
المدفوعات الرقمية واقتصاد ما بعد النقد
تُشكّل المدفوعات الرقمية العمود الفقري لمنظومة الفِنتك الخليجي، وتستحوذ وحدها على نحو 56.88 % من حجم السوق الإماراتي عام 2025 وفقًا لتقرير”Mordor Intelligence”، كما تُعالج منصات مثل”Telr” و “Geidea” نحو 45 % من المدفوعات الإقليمية عبر رموز QR والمحافظ الرقمية.
 وقد شهد عام 2024 إتمام صفقة استحواذ بارزة حين أنجزت شركة” Tabby”  أكبر تطبيق تسوّق في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا استحواذها على” Tweeq” المرخّصة من البنك المركزي السعودي في سبتمبر 2024، مما وسّع نطاق خدماتها لتشمل محافظ الإنفاق والإدارة المالية الشخصية.
وعلى صعيد المدفوعات الفورية عبر الحدود، تبرز أهمية هذا القطاع في ضوء الحجم الضخم للعمالة الوافدة في دول الخليج ومتطلباتها من التحويلات المالية. وتُشير بيانات السوق إلى أن قيمة المعاملات الفورية العابرة للحدود ستنمو بنسبة 289 % بين 2023 و2030، وهو ما فتح الباب أمام حلول مبتكرة مثل منصة Thimsa التي أطلقها رياديون سعوديون في يونيو 2024 لتيسير المدفوعات الفورية بين الشركات في الإمارات والبحرين عبر شبكة تضمّ 350 واجهة برمجية API وتقبل مدفوعات بأكثر من 60 عملة. (اقرأ الموضوع كاملا بالموقع الإلكتروني)

الخدمات المصرفية المفتوحة وتمويل المشاريع الصغيرة
تُمثّل الخدمات المصرفية المفتوحة نقلة نوعية في علاقة المؤسسات المالية بعملائها وبمزوّدي الخدمات من الأطراف الثالثة. واستقطبت منصات الخدمات المصرفية المفتوحة الإقليمية في عام 2024 تمويلاً بلغ 287 مليون دولار، كان الجزء الأكبر منه من نصيب” Tarabut Gateway” التي جمعت 32 مليون دولار في جولة Series B. وقد وسّع مختبر” Open Banking Lab “السعودي منظومته ليُجيز 47 حلاً جديداً من شركات الفِنتك خلال العام نفسه. أما معدل النمو السنوي المتوقع لسوق الخدمات المصرفية المفتوحة فيبلغ 27.4 % حتى عام 2030 وفقًا لأبحاث Grand View Research.
وتكتسب خدمات دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة زخمًا ملحوظًا عبر آليات “اشترِ الآن وادفع لاحقاً” (BNPL) التي تبنّتها أكثر من 40,000 شركة في منطقة الخليج. كما حقّق عدد من الشركات الناشئة المتخصصة في هذا المجال نتائج لافتة من بينها “FlapKap” التي جمعت 34 مليون دولار، و”Pemo “التي حصلت على 7 ملايين دولار، فيما أمّنت “Omnispay “ الإماراتية تمويلاً أوليًّا بقيمة 1.5 مليون دولار لتوسيع خدماتها للشركات الصغيرة.
الذكاء الاصطناعي والبلوك تشين في الخدمات المالية
تستثمر دول المجلس بقوة في توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي والبلوك تشين داخل المنظومة المالية، وتُشير بيانات “IMARC” إلى أن قطاع الذكاء الاصطناعي بلغ 35 % من الحصة السوقية للفِنتك الخليجي بحلول عام 2025، مدفوعًا باستثمارات حكومية تجاوزت 1.8 مليار دولار في الشركات الناشئة التقنية. 
ويتجلّى تطبيق هذه التقنيات في مجالات إدارة الثروات والتحليل الائتماني وكشف الاحتيال.
وعلى صعيد البلوك تشين، أعلن بنك البحرين الوطني و“ARP Digital “ عن إطلاق أول منتج استثماري مُهيكَل مرتبط بالبيتكوين في المنطقة، في حين أتمّ البنك المركزي الإماراتي عام 2024 أول عملية دفع عابرة للحدود باستخدام الدرهم الإماراتي الرقمي. كما تستضيف منطقة دبي الاقتصادية الخاصة إطارًا شاملاً للأصول الافتراضية أصدرته “VARA “ منذ فبراير 2023، استقطب كبرى المنصات العالمية كـ “Binance”.

التحديات الهيكلية أمام القطاع
على الرغم من الزخم الاستثنائي الذي يشهده قطاع الفِنتك الخليجي، تواجهه جملة من التحديات البنيوية التي تستدعي معالجة مدروسة. يأتي في مقدّمتها الإرث الرقمي للبنوك التقليدية؛ إذ تُشير دراسة متخصصة إلى أن 65% من البنوك الخليجية تحتاج إلى استثمارات ضخمة في تحديث بنيتها التحتية التقنية لضمان التوافق مع بروتوكولات “API “ المطلوبة للخدمات المصرفية المفتوحة، وقد التزم بنك الإمارات دبي الوطني وحده بتخصيص 150 مليون دولار لتحديث أنظمته الجوهرية.
ويُمثّل الأمن السيبراني تحديًا متصاعدًا بالتوازي مع تنامي حجم المعاملات الرقمية. وقد فرضت الجهات التنظيمية السعودية على مزوّدي خدمات “Open Banking” الحصول على شهادة ISO 27001، كما تُركّز أطر الرقابة في قطر والإمارات على أمن الحوكمة الرقمية للحدّ من المخاطر النظامية. أما على صعيد الوعي المستهلَكي، فقد رصدت دراسات ميدانية فجوةً في مستوى الثقة والمعرفة بالخدمات المالية الرقمية، وهو ما دفع مصرف البحرين المركزي إلى تنظيم ورش توعوية تحت عنوان “Open Banking 101” لاستهداف 12,000 منشأة تجارية.
ويُضاف إلى ذلك تشتّت الأطر التنظيمية عبر الدول الست؛ فرغم المساعي نحو التنسيق الإقليمي، تظلّ متطلبات الترخيص وقواعد الامتثال متفاوتة بشكل كبير من دولة إلى أخرى، بل وأحياناً داخل الدولة الواحدة كما هو حال الإمارات بين ثلاث جهات رقابية مستقلة: البنك المركزي وDIFC وADGM. ويرى المحللون أن هذا التشتّت التنظيمي قد يُبطئ خطى الشركات الراغبة في التوسع الإقليمي.

 آفاق المستقبل وملامح المشهد القادم
تُشير المعطيات المتاحة إلى أن قطاع الفِنتك الخليجي يسير بثقة نحو مزيد من النضج والتعمّق، وتكشف الأرقام أن سوق الأصول الرقمية في المنطقة سيبلغ 13.25 مليار دولار بحلول 2028 وفقاً لتوقعات Statista، في حين ستحتضن المنصات الإقليمية 57.34 مليون مستخدم لخدمات المدفوعات الرقمية بالعام نفسه.
وتتّسم المرحلة القادمة بثلاثة محاور تحوّلية: أولها التمويل المدمَج في التطبيقات غير المالية كمنصات التجزئة والرعاية الصحية، إذ تتحوّل الخدمات المالية إلى طبقة خفيّة في تجربة المستخدم اليومية. وثانيها التمويل الأخضر وتطبيقات الاستدامة البيئية التي تنسجم مع أهداف رؤى التنويع الوطنية في السعودية والإمارات والكويت. وثالثها العملات الرقمية للبنوك المركزية (CBDC)، حيث يواصل البنك المركزي الإماراتي تطوير الدرهم الرقمي بينما تستعدّ دول المجلس لإطلاق شبكات سداد فورية مشتركة.
وفي ضوء هذه المعطيات، يرى المحللون الماليون أن دول الخليج باتت تمتلك مقوّمات حقيقية للانتقال من موقع “المتبنّي السريع” للتقنيات المالية إلى موقع “المُنتِج والمُصدِّر” للابتكار المالي الرقمي على المستوى العالمي، خصوصًا في مجالات التمويل الإسلامي الرقمي والمدفوعات العابرة للحدود التي تُشكّل نقطة تميّز حقيقية لمنطقة تضمّ أحد أكبر تجمّعات العمالة الوافدة في العالم.