العدد 6387
الجمعة 10 أبريل 2026
هل نحن ضحايا... أم شركاء في فوضى المحتوى؟
الجمعة 10 أبريل 2026

في كل جلسة تقريبًا، يبدأ المشهد نفسه: هاتف يُفتح، مقطع يُعرض، فنقترب جميعًا.. لا لنتعلم بل لنتساءل. كيف يجرؤ؟ أين الرقابة؟ هل يرى أهله ما يفعل؟ لكن المفارقة التي لا ننتبه لها أننا في اللحظة نفسها، نعيد عرض المقطع لنرفع نسبة المشاهدة لديه ونمنحه جمهورًا جديدًا.

معظم ما نتداوله اليوم، ليس محتوى بالمعنى الحقيقي، بل مقاطع تصنع لإثارة الجدل وتشاهد بدافع الملل والفضول، ثم تتحول بفضلنا إلى “ترند”، لذلك، لم يعد غريبًا أن يمر أسبوع دون أن يظهر “نجم عابر” يُصنع من لا شيء، يسرق اللقطة ثم يستبدل بغيرة.

وفي كل مرة يظهر مقطع “فارغ” نراه ينتشر كالنار في الهشيم ونتساءل كيف وصل إلى كل هذا العدد من الناس؟ وننسى أننا من الناس؟! في أحد المقاطع التي اجتاحت منصات التواصل الاجتماعي مؤخرًا ووصلتنا، طفل صغير يدعى “عصام” استبدل حقيبته المدرسية بساندويتش.. الموقف طريف جدًّا، مشهد وتصرف بسيط، لكنه لم يبق بسيطاً.. لأنه خلال أيام تحول إلى ترند ثم إلى قضية رأي عام، في حالة استدعت تفاعل الجهات الرسمية، وبالتوازي تحول إلى مادة تسويقية يتسابق التجار لاستثمارها! هذا التحول السريع لا يفسره المقطع بل يفسره سلوكنا تجاهه.. لقد شاهدناه، ثم ناقشناه، ثم نشرناه، ثم منحناه حجمًا أكبر مما يحتمل.. وهكذا وعلى هذا المنوال لم نكن يومًا متفرجين على القصة، بل شركاء في صناعتها. في الاقتصاد القديم، كانت القيمة تُقاس بالذهب.. أما اليوم فتقاس بالانتباه، إنها العملة الأخطر في وقتنا الحالي.. كل مشاهدة، كل إعجاب، كل تعليق ليس مجرد تفاعل عابر بل إشارة تقول للخوارزميات “هذا يستحق أن يرى أكثر”.

في دراسة منشورة في مجلة Nature Communications حلّلت أكثر من مليون منشور، وأثبتت أن سلوك المستخدمين على المنصات يخضع لما يُعرف بـ “التعلّم بالمكافأة”، حيث تدفع “الإعجابات” الناس لتكرار نفس السلوك الذي جلب لهم التفاعل.

ولكن السؤال الذي علينا طرحه.. لماذا نتفاعل مع ما نرفضه؟

هنا تبدأ المفارقة الإنسانية، نحن لا نشارك هذا المحتوى لأننا نحبه، بل لأننا نشعر بشيء تجاهه: استفزاز.. دهشة.. غضب. أو حتى سخرية، لكن الدماغ لا يفرق كثيرًا.

الأبحاث تشير إلى أن التفاعل مع المحتوى بغض النظر عن نوعه، يحفز نظام المكافأة في الدماغ عبر إفراز الدوبامين، وهو الهرمون المرتبطة بالمتعة والتكرار. بل إن دراسات حديثة تشير إلى أن مجرد “التمرير” المستمر (scrolling) أصبح سلوكًا قائمًا بحد ذاته حيث يحصل الدماغ على دفعات صغيرة من المكافأة مع كل محتوى جديد.. وهنا تتحول التجربة من اختيار إلى عادة.

وفي تجربة يومية بسيطة تمارسها يوميًّا.. تفتح هاتفك لدقائق تتجول بين المقاطع لتضحك على هذا، وتندهش من هذا، وتنزعج من ذاك، ثم تغلق الهاتف لكنك لا تخرج كما دخلت.. فنحن لا نستهلك المحتوى، نحن نتشكل به، شيء ما يتغير. حيث تشير الأبحاث إلى أن التفاعل المتكرر مع المحتوى الرقمي يمكن أن يؤثر على الانتباه، المزاج، وحتى طريقة إدراكنا للواقع.

ومع الوقت، لا يصبح السؤال: ما الذي نشاهده؟ بل: ما الذي أصبحنا عليه بسبب ما نشاهده؟

نحن ضحايا لتصميم منصات ذكية، تعرف كيف تجذب انتباهنا، وتستغل حاجتنا للفضول.. فهي تبنى على مبدأ بسيط “كلما بقيت أكثر، ربحت أكثر”. ولتحقيق ذلك تستخدم تقنيات المكافأة غير المتوقعة، حيث لا تعرف متى سيظهر لك شيء مثير.. فتبقى.

نحن ضحايا ولكن هل نحن أبرياء؟! نحن لا نصنع الخوارزميات ولكننا نغذيها، نحن لا نخطط الانتشار بل نمنحه، وفي هذا يقول الفيلسوف جان بول سارتر: “الإنسان محكوم عليه بالحرية”، فحتى في أبسط قرار.. زر المشاركة نحن نختار. صدقني المشكلة ليست في المحتوى دومًا... بل في علاقتنا به، فالمحتوى الهابط ليس ظاهرة جديدة لكن الجديد سرعة تضخيمه، ففي الماضي كان يمر ولكنه اليوم يتحول لموجة، المشكلة ليست في أن صانعه عبقري، بل لأننا جميعًا شاركنا في انتشاره.

الحل لا يحتاج إلى حملات كبيرة، ولا إلى قوانين معقدة، بل إلى لحظة وعي.. إلى تلك اللحظة الصغيرة التي تغير كل شيء. فحين يظهر أمامك محتوى غير لائق تجاوزه.. لا تشاهده.. أبلغ عنه.

نحن لسنا ضحايا، ولسنا شركاء.. بل متفرجين فاعلين في المنطقة الرمادية، لكن الفرق الحقيقي يصنعه قرار صغير جدًّا بهل سنكون وقودا للفوضى أم قناديل للوعي؟

 

كاتبة ومستشارة في العلاقات العامة وصناعة الصورة الذهنية

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية