الوطن لا يستدعيك لتصفّق.. بل لتُدافع.
ولا يسألك: ماذا تؤمن؟.. بل “أين تقف؟”.
في التحولات التاريخية، التي تمثل نقطة ارتكاز في زوايا الجغرافيا المتوترة حزنا ووجعا، يستدعيك الوطن لتسديد قروضك الوطنية إليه حيث أعطاك وبذل لك؛ فكان هذا التراب “وأول أرض لامس جلدي ترابها”.
هنا لا مجال للحياد القاتل، لا مكان للمنتصف المميت، ولا موقع لأنصاف الحلول أو للوطنية الملتبسة؛ فأنت أمام موقف وجودي. كل ما عشته من فرح وحزن، من وجع ورقص، من إخفاقات وإنجازات، يختصر في هذا اليوم التاريخي لتكون النتيجة حاكمة على البداية، خصوصا والوطن يستدعيك لتكتب حرفا أو تحمل بندقية للدفاع عنه جنديا على الحدود، أو لتطفئ حريقا اشتعل في قلب الجغرافيا، أو سكينة غرست في خاصرة التراب، أو صاروخا كان يبحث عن التهام صبية في قرية أو فتاة بريئة في مقهى، أو صرحا اقتصاديا يغذي الوطن وفرة مال تتدفق رواتب لمواطنين عكفوا سنين لصناعة أمل، كما هي شركة “البا” و “بابكو” وكل محطات الطاقة التي تعتبر محطات الوفرة والإبداع والاستثمار في شرايين الوطن الاقتصادية.
هنا لا التباس بين الوطنية والمعتقد، بين حب الدين وحب الوطن في ظل خطورة استدعاء الدين في زمن الحرب.
لا يمكن للدين إلا أن يكون منحازا للوطن، لا يمكن للطائفة إلا أن تكون مرسخة لحب الوطن، لا يمكن للديانة إلا أن تصطف لصالح الوطن، وإذا حدث العكس يجب أن تفهم أن هناك اختراقا تجاريا أو دكانا سياسيا يحاول العبث بضميرها أو ببراءتها، ولن يستطيع، وفي نهاية القصة ستكون هي الخيار والخير والاختيار.
عندما يتعرض وطنك للغارات والمسيرات والصواريخ، عليك أنت أن تحميه بكل ما تملك؛ فلا شيء أكبر من أن يُمطر وطنك بالاستهداف ظلما وعتوا ونوايا، شظايا وعدوانا.
هنا نرى خطبة الإمام علي (ع) وهو يستنهض الإنسان في الدفاع عن وطنه ساعة الأزمات منتقدا أي تقاعس قائلا:
“أَلَا وإِنِّي قَدْ دَعَوْتُكُمْ إِلَى قِتَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَيْلا ونَهَارا وسِرّا وإِعْلَانا، وقُلْتُ لَكُمُ اغْزُوهُمْ قَبْلَ أَنْ يَغْزُوكُمْ، فَوَ اللهِ مَا غُزِيَ قَوْمٌ قَطُّ فِي عُقْرِ دَارِهِمْ إِلَّا ذَلُّوا، فَتَوَاكَلْتُمْ وتَخَاذَلْتُمْ، حَتَّى شُنَّتْ عَلَيْكُمُ الْغَارَاتُ، ومُلِكَتْ عَلَيْكُمُ الْأَوْطَانُ”.
لاحظ عبارة “شنت عليكم الغارات”؛ فعند الغارات لا بد أن يكون للوطني بطولات وبطولات للدفاع عن أرضه وترابه ووطنه.
لست وحدك في الدفاع عن وطنك، فتاريخ العظماء مليء بالمواقف العظيمة لأجل الوطن. استهداف الوطن قد يكون بكلمة نابية، ببيان كاذب، أو بمسيرات وصواريخ كما يحدث اليوم من استهداف للخليج والبحرين، وقد يكون باستهداف الأرض كما حدث لفرنسا في عصر الفيلسوف سارتر. تختلف أشكال استهداف الأوطان، وفي النهاية لا بد للمثقف الغيور من موقف حسب نوعية الإساءة وحجم الوجع وتراكم الحزن.
فخلال الحرب العالمية الثانية، لم يكن الفيلسوف الفرنسي صاحب النظرية الوجودية سارتر مجرد مراقب؛ شارك في المقاومة الفرنسية ضد الاحتلال النازي، واستخدم كتاباته كسلاح ضد القمع. كذلك موقف حبيبة سارتر، الفيلسوفة سيمون دي بوفوار، التي وقفت فكريا وأدبيا مع فرنسا في زمن الاحتلال، وكانت جزءا من التيار الفكري المقاوم، مؤمنة بأن الحرية لا تُؤجَّل حتى انتهاء الحرب.
ليست كل الوقفة مع الوطن واحدة:
سقراط وقف بالقانون حتى الموت.
سارتر وقف بالمقاومة لأجل ترابه ضد حكومة فيشي حتى انتصر ديغول، وانتصر المواطن الفرنسي الغيور الذي دافع عن أرضه ووطنه وترابه.
غاندي وقف باللاعنف.
الفيلسوف الإنجليزي راسل وقف مع ترابه وكان منحازا لحفظ وطنه.
واليوم جميعا نقف لأجل عيون البحرين ضد الصواريخ والمسيرات التي تستهدفها. كذلك يذكر التاريخ عندما تعرضت الصين للاعتداءات اليابانية، وقف الصينيون الوطنيون من أجل وطنهم وانتصرت الصين. عندما يتعرض الوطن لهجوم واستهداف بالمسيرات والصواريخ، يقف المواطن مدافعا إلى أن يأتي يوم ويتلاشى الخطر، ونكون انتصرنا في الحفاظ على الوطن واسترجاع أجمل أيامه.
الوطن لا يحتاج خطابات طويلة، بل موقف قصير.. حاسم كطلقة، وصادق كدمعة أم.
فإذا كان هناك في الخارج من يتوحم على لحم الوطن فهم قلة لا يمثلون أحدا، والتاريخ لا يرحم كما طرح إنجلز في نظرية مكر التاريخ. إن المنعطفات عبارة عن “غربال” ساعة الأزمات الخطيرة، وحدثتنا التجارب أن المنتصر في الأخير هو الوطن.
وكل الأمم مرّت بهذه الظاهرة:
فرنسا عرفت فيشي.. لكنها عرفت ديغول.
النرويج عرفت كويزلينغ.. لكنها عرفت المقاومة لأجل عيون النرويج ولأجل ترابها الوطني وقيادتها.
أمريكا عرفت بندكت أرنولد.. لكنها عرفت واشنطن.
وفي نهاية المطاف، الأوقات العصيبة تزول، وتنتصر الوطنية والوحدة الوطنية والانتماء الوطني ليكون هناك شعب عظيم خلف قيادة عظيمة. وطن لا يُنسى، وطن زرعت فيه، ونمت على ذراعه وتبرعمت كسنبلة في حديقته وكسنديان على ترابه. نعم لا يُنسى وإن ضعفت ذاكرة أو تعملق نسيان.
ورحم الله الشاعر وهو يردد أبيات الشعر:
وَلِي وَطَنٌ آلَيْتُ أَلَّا أَبِيعَهُ .. وَأَلَّا أَرَى غَيْرِي لَهُ الدَّهْرَ مَالِكَا
عَهِدتُ بِهِ شَرْخَ الشَّبَابِ وَنِعْمَة .. كَنِعْمَةِ قَوْمٍ أَصْبَحُوا فِي ظِلَالِكَا
وَحَبَّبَ أَوْطَانَ الرِّجَالِ إِلَيْهِمُ .. مَآرِبُ قَضَّاهَا الشَّبَابُ هُنَالِكَا
إِذَا ذَكَرُوا أَوْطَانَهُمْ ذَكَّرَتْهُمُ .. عُهُودَ الصِّبَا فِيهَا فَحَنُّوا لِذَلِكَا
والوطن يستجير بالكبار عند هبوب الطوفان؛ هو جلالة الملك المعظم وهو يرمم الجراح، ومعه سمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، يصنعان المستحيل حدثا ورؤية وبصيرة ليتراكم الفرح، ملهما ومبلسما وصانع فوارق.
رجل بحجم الانتظار، لوى عنق الإعصار، فكان المشهد قلبا بحجم جغرافيا نمير ولاء، نبضا بنبض، تدفقا بتدفق، وفيضا بفيض؛ ليوم قريب لأعراس وطنية قادمة في يوم تاريخي عظيم، نحتفل فيه بالبحرين عودة ووعدا وعائدا، عمدا وعيدا.