العدد 6364
الأربعاء 18 مارس 2026
ما بين الصواريخ والتواريخ.. الولاء للقيادة والوطن
الأربعاء 18 مارس 2026

في لحظة الخطر، 
لا يبقى للإنسان إلا ميزان واحد:
وطنه.
الوطن الذي خبأ طفولتنا في أزقته، 
والوطن الذي علّق أسماءنا على أبواب مدارسه، 
والوطن الذي سقانا من ملحه وخبزه وبحره.
هنا البحرين، 
جزيرة صغيرة في الجغرافيا، 
لكنها كبيرة في التاريخ والكرامة.
وهنا الخليج، 
بيت عربي واحد، 
إذا تعرض البيت لخطر، 
هب الجميع متراصين للحفاظ عليه جودا وجيادا وجنودا.
لذلك فإن الصواريخ التي تُطلق نحو أرضنا، 
ليست مجرد قذائف في الهواء، 
بل امتحانٌ للأخلاق، 
وامتحانٌ للولاء، 
وامتحانٌ للضمير.
فالوطن لا يُدافع عنه فقط الجنود في المتاريس، 
بل يدافع عنه أيضاً الموقف الواضح، 
والكلمة الصادقة، 
والانحياز الصريح للأرض التي نحيا عليها.
منذ 24 عاماً وأنا أقرع ذات الأجراس في البيت الإسلامي، 
وخصوصا في البيت الشيعي، أقدم نصائح من باب الخوف على الأوطان العربية وعلى الوطن، وكنت أقول حتى لإيران، إن هذا المنهج الذي تقودينه منهج انتحاري سيسقط السقف عليك وسيشعل المنطقة توترا وفتناً وأزمات، وكان البعض يراقص على السوشال ميديا مستهزئا بنصائحي أو يطلق الشتائم كقذائف هاون، واستمر الحصار علي اجتماعياً، وعلى كلماتي وأفكاري الناصحة لأكثر من 24 عاما.
ولتنشيط الذاكرة أطرح المواقف.
في 2002 نصحت بعض المتوترين بخطاب الإسلام السياسي بالمشاركة بالبرلمان البحريني، وعدم المقاطعة، فحوربت وخونت، ثم نصحتهم بعدم الوقوف ضد قانون الأحوال الشخصية، فخرجت تظاهرة حاشدة ضد القانون، وكانت الضحية المرأة، ثم في 2011 نصحتهم بعدم الاستقالة من البرلمان والتفريط بـ 19 مقعداً لأجل فزعة حالمة لـ ”ربيع” لم يكن عربياً، وكان العقل مخطوفاً في جيب رجال الدين، ثم ألححت عليهم بالدخول في انتخابات 2014 إلى 2018 إلى البقية لأجل لملمة الصدع والحفاظ على الوطن، لكن لا أحد يجيب.
كنت كمن يصرخ في برية، وأحرث بحراً لا لؤلؤ فيه. ثم بدأت تتوالى الأخطاء السياسية والكوارث الايديولوجية المزينة بمكياج الدين، كوارث تراكمت بسبب سياسات خاطئة، وتقديرات يغلب عليها الغيبيات، وحسابات مؤدلجة لا تمت للواقعية بصلة، والتي عادة ما يدفع ثمنها الجمهور “المنحوس” من سياسة “الناموس“، والذي يقاد للمحارق السياسية، ويلقى على مسالخ الواقع المر من توابيت الحانوت إلى حوانيت التابوت.
كنت الناصح الأمين، المحب للوطن ومستقبله، والذي يبحث عن مستقبل خير للمنطقة.
كان آخر نصائحي قبل عام عبر مقالات متعددة وفيديوات ناصحة نشرتها في حساباتي، وبعضها مقالات كان آخرها قبل عام نشرته في صحيفة “البلاد”، وكان بعنوان:
“الحركات الإسلامية من الأكفان إلى الاوطان” بتاريخ 19 مارس 2025،
الموافق 19 رمضان 1446 العدد 6000
ونصحت فيه الجميع بمن فيهم إيران بأن تغير سياستها تجاه الخليج والعالم، وتجاه شعبها، وتبتعد عن الشعارات الثورية، وهذه السياسة التي لا تقود إلا إلى الانهيار السياسي والانتحار الوجودي.
وقلت حرفيا، وأتمنى الرجوع للمقال ولبقية مقالاتي ومقابلاتي، والتي بعضها مؤرخ لما قبل 24 عاما.
قلت في المقال قبل عام:
“قدمت أكثر من خطاب عبر السوشال ميديا كناقد ومستشرف للمستقبل، لذلك أنصح قادة إيران بتغيير المنهج في التعامل مع العالم، وإلا ستكون النهاية كنهاية النظام السوري. وأنا أقول ذلك حرصا على سلام المنطقة من الحروب ومزيدا من النزف، فلا أجمل من واقعية وذكاء اليابان من غزو العالم بصادراتها العملاقة بعد تعرضها للقنابل النووية بعد الحرب العالمية الثانية.
استعرضت قوتها بالعلم والمعرفة والاقتصاد وليس بخطابات ثورية”.
ودعوت قادة إيران في المقال إلى 
العقلانية عبر منهج عقلاني علمي معرفي حضاري واقعي قائلا
“ويكون تغيير المنهج في إيران باستفتاء بتغيير الدستور من ديني إلى مدني، وفصل الدين عن السياسة، مع جعل كل إنسان مخيرا في علاقته مع الله، وجعل الحجاب حرية شخصية دون فرضه بالقوة، وقصر دور رجال الدين في المساجد بعيدا عن إدارة الدولة مع الانفتاح الكبير على أميركا والغرب والخليج والعالم انفتاحا سياسيا اقتصاديا، والتخلي الكامل عن الميلشيات، وبدلا من تصدير الثورة، العمل على حفظ الثروة للشعب الإيراني.
هذا المنهج سيحفظ إيران وشعبها والمنطقة من تداعيات خطيرة.
كما أدعو كل المليشيات في المنطقة إلى تفكيكها، والرجوع لحضن الدولة، والاندماج لكل ميلشيا أو حزب مع دولته، والعمل على تقوية وطنه.
أقول:
منذ 24 عاما كل مقالاتي وحواراتي وكتبي ومنهجيتي تصب في ذات فكرة الواقعية السياسية، وحفظ الوطن والولاء للقيادة في أي وطن تنتمي له هذه الحركات، وترك الشعارات وثقافة الارتطام بالجدار، والتخلي عن السعي لبناء دولة داخل دولة، وجعل الدولة هي التي تحدد مسار العلاقات الخارجية، وهذا ما أتمناه اليوم.
وجع فلسطين وجع إنساني غائر في ضمير كل إنسان يمتلك ذرة إنسانية، والألم لما يقع على الناس من مدنيين، أطفالا ونساء وشبابا في عمر الزهور، لا يمكن تبريره، وحديثي يصب في خانة مهما كان الوجع يجب ألا يقود إلى مزيد من الكوارث على مناطق أخرى بقرارات تزيد من الوجع بدلا من وقف النزف.
السؤال: هل ستفهم هذه الحركات ذلك، ويضعون كلامي في موقع الناصح، ويمتثلون ويَنجون ويُنجون ملايين من الجماهير التي قد تذهب ضحية قرارات خاطئة؟
أتمنى ذلك، وأتمنى إذا ما وقعت كوارث مستقبلية أن يرجعوا لما أطرحه منذ 23 عاما من نصائح، 
23 عاما، وأنا أقرع الأجراس، فهل يتلقطون الدرس قبل فوات الأوان؟
المنطقة مقبلة على هزات كبيرة ليس أقلها ما حدث من سقوط نظام الأسد، فأتمنى أخذ نصائحي بعين المسؤولية.
فالرجوع للوطن، والقيادة والحكمة والواقعية السياسية، والمنهج الحضاري الوسطي العقلي الفلسفي في فهم الحياة هو ما يقود إلى السلام والأمن والتطور الحضاري”. انتهى.
واليوم أقول:
هل يتعلم هؤلاء من الأخطاء؟
لا. إلا ربما قلة قليلة.
في البحرين أثبت الشعب البحريني حبه لوطنه وولاءه لقيادته، فوقف الشعب موقفا وطنيا غيورا لإدانة هذا العدوان السافر على وطننا الغالي، 
موقفا أدان اعتداء إيران على البحرين، موقفا يحمل المسؤولية الوطنية والغيرة وحب الوطن.
عودا على بدء أقول:
العالم العربي والخليج لن يستقرا إلا بتشريع قانون يفصل الدين عن السياسة وقطع استغلال الدين من الحركات ذات التوجه الإسلام السياسي حفاظا على الدين وعلى الوطن.
دعوني، وللمرة الألف، أضع النقاط على الحروف من إيران إلى فلسطين إلى لبنان إلى الخليج والبحرين لأطرح كارثية القرارات التي حدثت والتي كانت بسبب إقحام الدين في عنتريات السياسة لدى الحركات المسيسة للدين.
فمن الكوارث:
- كارثية موقف حماس بقرار هجوم 7 أكتوبر جعل غزة منطقة محروقة، فهل من الواقعية السياسية أن يكون ذلك؟
- كارثية قرار الإسناد لحزب الله ووحدة الساحات، والآن قرار نعيم قاسم بالقفز على الدولة اللبنانية والدخول على خط المواجهة قد أحرق الجنوب، وسيحول الجنوب إلى غزة ثانية.
- كارثية سياسة نظام الأسد بالتحالف مع إيران، وترك التحالف مع العرب والخليج، والذي قاد في نهاية المطاف إلى سقوط النظام.
- كارثية الخط الثوري لإيران من العمل على مواجهة العالم في مواجهات غير متكافئة على طريقة ثورية كوريا الشمالية الشيوعية، وثورية عبدالناصر القومية، وثورية شعارات صدام البعثية، وإن بنسخة إسلامية، كل ذلك قاد إلى سقوط مشاريع ترتهن للشعارات بدلا الواقعية وحرب الخارج على حساب إصلاح الداخل. العنتريات ليست هي الحل، بل الحل بالواقعية السياسية والعمل على الاقتصاد والتعليم والحداثة كما هي سنغافورة.
الحرب على إيران الآن إما ستقود إلى سقوط إيران أو جعلها مريضة على سرير المرض مشغولة بالأدوية والضمادات بالرغم من أنها كانت تستطيع استخدام خيار اليابان في الحرب العالمية الثانية، أو خيار كوريا الجنوبية من العمل مع الغرب والاستفادة منه بدلا من محاربته أو اتباع منهج سنغافورة كطريق حياة وبناء اقتصاد واعد ودولة تعليم من دون أن تتخذ تمثيل دور “عنترة“ علما أن المنهج الثوري الذي جربته كل الايديولوجيات في العالم بشتى صورها من شيوعية وبعثية وقومية وإسلامية لم تقد إلا إلى الانهيار السياسي أو السقوط الوجودي من سقوط مشاريع ينخر فيها الفقر والجوع وتفتك بها الفوضى وما قادت إلا إلى ضياع الأوطان.
وسياسيا وللأسف، 
إيران ومنذ 47 عاما، وهي في تخبط سياسي عبثي، ومن كارثة سياسية إلى كارثة سياسية أخرى، وهو دليل أنهم نفس الإخوان المسلمين، ولكن بنسخة شيعية، 
لا يمتلكون أفقا سياسيا، ولا بعدا معرفيا، ولا نضجا واقعيا لا لهم ولا لجماهيرهم الذين تكون نهاياتهم كارثية إما إلى سجن أو منفى أو مقبرة.
وهنا أدعو شباب العالم العربي للابتعاد عن السياسة والانخراط في التعليم والاندماج الوطني في مشاريع وطنية ثقافية تقود نحو ثقافة الحياة وحفظ الأوطان.
وهنا نقول بملء الفم البحرين عزنا، الخليج بيتنا العظيم، 
نعم البحرين هي العز والكرامة،
بحرين الحب والولاء لجلالة الملك المعظم وسمو ولي العهد رئيس الوزراء وللشعب البحرين الغالي.
فعندما يضرب وطنك بالصواريخ ليس فقط لابد أن يكون لك موقف للتاريخ، بل مواقف تسجل للتاريخ وللتواريخ.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .