العدد 6319
الأحد 01 فبراير 2026
أحرامٌ على بلابله الدَّوحُ؟
الأحد 01 فبراير 2026

من المثير للاهتمام كيف يخلق اختلاف الأذواق وتنوع الآراء ثراء الحياة وتعدّدها، ويمنحها مزيداً من اللون والحيوية. غير أن الأمور تبدأ في التعقد عندما تُستَخدم ازدواجية المعايير في تقييم المواقف. لماذا نُبيح لأنفسنا ما نُحرّمه على غيرنا، ونغفر لأنفسنا ما لا نتسامح فيه مع الآخرين؟ أليست هذه مفارقة تعبّر عن غياب العدل؟ في تفاصيل الحياة اليومية، يظهر هذا التناقض أكثر مما نتوقع. نسارع إلى تبرير أفعالنا، ونستنكرها عندما نراها عند غيرنا. يبدو سلوكنا لنا صراحة وصدقاً، بينما نعدّه عند الآخرين تجاوزاً وعدم احترام. ما نراه حقاً لأنفسنا سرعان ما يتحول إلى خطأ حين يصدر عن سوانا، من دون معيار واضح أو إحساس حقيقي بالعدالة.
وقد عبّر الشعر العربي عن هذا الخلل الإنساني بعمق مؤثّر، حين قال الشاعر: أحرامٌ على بلابلهِ الدوحُ... حلالٌ على الطيرِ من كل جنس؟! لا يحمل هذا البيت إدانة بقدر ما يطرح سؤالاً أخلاقياً للتأمل.. ما الذي يجعلنا نقبل لأنفسنا ما ننتقده عند غيرنا؟ ولماذا نتغاضى عن أخطائنا، بينما نسارع إلى الحكم على الآخرين؟
إن الإشكال الحقيقي ليس في الوقوع في الخطأ، فذلك جزء من الطبيعة البشرية، بل في الطريقة التي نحاكم بها أخطاءنا. فحين نقبل بازدواجية المعايير، تفقد القيم معناها، وتغدو الأخلاق مجرد سلوك طارئ لا مبادئ راسخة. وما لا نرضاه إذا وُجّه إلينا، لا يصح أن نمارسه على غيرنا، فالعدل ليس أمراً يُقال، بل ممارسة يومية تُعاش بالإنصاف والمساواة. والقيم تفقد معناها حين تُطبّق بانتقائية، كما أن العدالة لا تكون عدالة ما لم تُمارَس على الجميع. وكما أن الدوح لا يزدهر إن لم يُسمح لكل طيوره بالتغريد، كذلك لا تستقيم الحياة ما لم يُدرَج الجميع في ناموس الإنصاف.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .