تحول ملف عمالة "الفري فيزا" في الآونة الأخيرة إلى كابوس مزمن يؤرق المواطن البحريني، ويستنزفه معنوياً ومادياً. هذه العمالة السائبة، التي فرضت الظروف علينا إدخالها إلى بيوتنا، باتت هي من تفرض الشروط وتحدد قواعد اللعبة بمنطق غريب لا يقبله عقل.
لقد وصلت أجور هؤلاء إلى أرقام فلكية بلغت 200 دينار شهرياً، وهو مبلغ يتجاوز بكثير تكلفة العمالة النظامية، مقابل إنتاجية هزيلة وعمل يُؤدى "من طرف الخشم " ونفس غير راضية.
والمفارقة المضحكة المبكية تكمن في طريقة تعاملنا مع هذه الفئة؛ فنحن نبالغ في مداراتهم إلى أقصى الحدود، ونمشي معهم "يا دهينه لا تنكتين" تجنباً لأي احتكاك، خشية أن نصطدم بنوبة غضب أو تذمر قد ينتهي باختفائهم فجأة، وترك المنزل في حالة فوضى عارمة. لكن هذا الدلال المفرط لا يُقابل إلا بـدلع ماصخ وتململ من مهام هي في صميم عملهم الذي وُجدوا من أجله. ومن العجيب أن ترى أحدهم يبدي انزعاجاً ظاهراً حتى من أبسط التوجيهات، وكأننا أمام "خبير" لا يُشق له غبار؛ وهنا يصدق المثل الشعبي تماماً " يا شين السرج على البقر"، فلا الهيئة تليق بهذا الدلال، ولا الأداء يشفع لهذا الاستعلاء.
ما الذي أوصلنا إلى هذا الحد من التجرؤ؟ هل هي الطيبه البحرينية التي فُسرت خطأً على أنها ضعف؟ أم هو غياب الضوابط والإجراءات الصارمة التي سمحت لعمالة "الفري فيزا" بأن تتحول إلى سلطة موازية تتحكم في سوق العمل وتملي شروطها دون حسيب أو رقيب؟ لقد تمادوا بوضوح لأنهم أمنوا العقوبة، وأدركوا أن المواطن مكرهٌ على القبول بشروطهم المجحفة أمام تعقيدات وتكاليف الاستقدام الرسمي الباهظة.
إن استمرار هذا الوضع الراهن يمثل عبئاً ثقيلاً على جيوب المواطنين، وإهانة لقيمة العمل. نحن بحاجة إلى موقف حازم ينهي احتكار "سماسرة الشوارع"، ويضع حداً لهذا الجشع المبالغ فيه والإنتاجية المنعدمة. كرامة البيت البحريني ليست محلاً للمساومة، وطيبتنا لا يجب أن تكون بوابة لتمرد عمالة تقتات على حاجتنا وتكافئنا بالكسل والتقاعس.