جزء لا يتجزأ من الحياة الاجتماعية، وأساس تتنامى عليه المجتمعات في تماسك الوشائج والصلات بينها، في عجلة التعزيز الوثيق للروابط الاجتماعية التي تسهم في بناء العلاقات المتينة بين الأفراد والجماعات، وزيادة رضاهم النفسي الذي يشعرون فيه بالسعادة والرضا عند مساعدة الآخرين، وتحفيز سواهم على الانخراط والمشاركة، على سبيل تعزيز هذه الثقافة بالتّطوع والتّبرع وغيره، باعتبار ذلك قيمة إنسانية عظيمة تعكس روح التعاون والمشاركة التي تعكس قيم التفاني السامية في بذل النفس والمال، علاوة على تعزيز صلاح أولئك الأفراد وتوطيد روابط الأخوة، المفعمة بروح الإيثار بينهم.
تلك هي التجارة – وهي ليست عملية البيع والشراء المحلية أو الدولية أو الإلكترونية بين طرفين وأكثر وتستهدف الربح المحدود أو اشتراء الرخيص وبيع الغالي - بل هي التجارة الآجلة في الدنيا والعاجلة في الآخرة - مع ربّ الخلائق جلّ جلاله، والتي يُحافظ فيها العبد على ما أمر به معبوده سبحانه في إقبال على أوامره وإدبار عن نواهيه وإكساب لمرضاته على هذه التجارة (الرابحة جدًا)، حينئذٍ يتضاعف فيها الأجر ويحتسب عليها البرّ ويتحرى بها الحلال ويتجنّب منها الحرام؛ فينال (تاجرها) سعادة الدّارين، وطيب الحياة الدنيوية وسعادة الآخرة الأبدية وفق متطلباتها البدنية لحفظ الصحة والاجتماعية لصلة الرحم والمالية لطلب الرزق والدينية لأداء الفرائض والواجبات، في فضاءات النوايا الخالصة والأعمال المباحة والطاعات الصادقة بين أمثال الجبال من حسنات المالك الرحمن في “فقه” هذه التجارة الإلهية العادلة.
نافلة:
في واقعة تاريخية خالدة، جسدت معاني الإيثار الصادق، فضلًا عن ترجمتها لأروع نماذج التضحية الحقّة في حبّ الخالق المتعال وإيثار الدّار الآخرة التي برز فيها أبوالدّحداح – وهو صحابيّ جليل من الأنصار – حين سأل النبي (ص) بعد نزول آية الإنفاق والقرض الحسن (آية 245 من سورة البقرة) بقوله: يا نبيّ الرحمة، وأنّه تعالى يريد منّا القرض؟ قال: نعم يا أبا الدّحداح، قال: أرني يدك المباركة! فناوله يده. قال: إنّي قد أقرضت ربي بستاني وما فيه (به ستمئة نخلة)، وأنّي جئت زوجتي أمّ الدّحداح وعيالها حتى باركت بيعتي وقالت: ربح بيعك يا أبا الدّحداح! وهو الذي لم يمهل نفسه التفكير، بل آثر الآخرة على الدنيا والباقية على الفانية.
هذه واحدة من أروع النماذج التي أكملت تخرّجها من مدرسة سيد المرسلين (ص) الذي ربَّى أصحابه (رض) على البذل السخي والتّصدق الخفيّ في أجواء يفوح منها شذى السعادة ويغمرها عبق الفرحة على حبّ البذل وعطايا الصدقة؛ طمعًا في الثواب الكريم والأجر العظيم والفضل الفسيح حتى قال فيه (ص): كمّ مِن عِذق ردّاح - أي غُصْن ثقيل - لأبيّ الدّحداح في الجنة.
كاتب وأكاديمي بحريني