إنّها من أفاضل الأخلاق التي أولاها سيد المرسلين (ص) عند دخوله الأول للمدينة المنورة بعدما توارثها العرب واشتهروا بها بشمائل الكرم وضروب الخير قبَال مصارع السوء وصولات المهالك. فمنه العطاء الذي لا يخشى الفقر بما فيها من نشر للألفة والمحبة بين الناس، وأثرها في بعث التماسك والترابط المجتمعي بإطعام الثلاثة من الأيام بمقدورها وميسورها، وسبب للبركة، وتوسعة للرزق في مظاهر يُغالبها الترحيب والاستبشار والتودّد تارة، ويتخللها التوقير والاحترام والمصاحبة والدعاء تارة أخرى على زاد أكلته الأبرارُ وصلَّتْ عليه ملائكة الجبّار وأفطر به الصَّائمون الطّهار، بعيدًا عن تكلف يقطع إدامة الإكرام أو تصنّع يمنع صولات الملال، بِطلاقَة الوجه وطيب الكلامِ؛ لانتفاع مُلكٍ وابتياع مرادٍ وسط محاسن الإيمان الحقّ وتقوى العمل الخالص.
هذا بمجمله قد جرى في ليلة شتوية باردة بإحدى القرى الصغيرة التي كان يعيش فيها رجل طيب القلب حسن المحيّا عُرف بـ (سعيد الحطّاب)، الذي اشتُهر عنه بين أُناس قريته، بكبير كرمه ووفير ضيافته ومعهود ابتسامته. في تلك الليلة الشتوية الدامسة، سمع ببابه تُطرق، وإذا به رجل غريب قد أنهكه الجوع والعطش بعدما هدّه التعب ومشقة الطريق؛ فابتسم له كعادته مرحبًا: أهلاً وسهلًا بك، وأجلسه قرب النار كي يُخفف عليه برد الليل، ثم أسرع ليُحضّر له أفضل الطعام، ومن ثمّ افترش له حصيرًا وثيرًا ليُخفّف عليه عناء المسير.
وفي اليوم التالي: شكر الرجل سعيد الحطّاب، فابتسم كالمعتاد وقال له: الضّيف رزق من ربّ العباد وحقّ له علينا إكرامه.
نافلة:
ما يُتوارد نصًا ويُقال حرفًا، أنّ الضيافة أشبعت بالمُبالغات بأنْ أثقلتها بعبء اجتماعي “فاحشٍ” وإنهاك للبيوت عاجل واستنزاف لجيوب الرجال “صارخ” وإثقال لكواهل النساء “طائش” من أجل ماذا؟ من أجل استضافة زائر دفعته المودة وحثّته صلة الرحم على زيارة مَضيفه أنسًا وسرورًا ليس إلا.
هذا التكلّف المبالغ، أدى إلى قلة المُتزاوِرين و(استثقال) الضيوف، وغدت فيها هذه الزيارة – مذمومة فيما بعد - بهمّ على الفؤاد وغمّ بالنفس وظلم للبدن ونزع للبركة، بل وانكماش لروح التزاور وابتعادٍ عن وصل الأقرباء وجفاء لنعيم الأصدقاء، بعدما بلغ الكرم تكلفًا وإفراطًا، وعلَتْ الضيافة استعراضًا وتنافسًا، في سباق محموم وتنافس بليغ على شراء الأواني وأعمال التزيين وتقديم الحلويات وطلب الإكسسوارات وما شابه، فيما هو عينه، النقيض لِما حثّت عليه الديانات وسنّته العادات، واللتان جُبِلتا على حفاوة إكرام الضيف وأريحية استقبال الزائر في مختلف المناسبات الدينية والوطنية والاجتماعية وغيرها بتأثيرها الواضح على كمال الإيمان وفاضل الأعمال.
*كاتب وأكاديمي بحريني