يُنقل أنّ الطفلة "فاطمة" تعيش في قرية صغيرة، تُحب اللعب في الحقول والبساتين الخضراء.
وفي كل صباح، تقوم بسقي أزهار بيتها.
كانت "فاطمة" تلاحظ أنّ كلّ زهرة تكبر وتزهر أكثر عندما تعتني بها بصدق وحبّ.
وفي أحد الأيام، سألتها معلمة الفصل: ماذا يعني لكِ الوطن يا "فاطمة"؟ ابتسمت، وقالت: الوطن مثل الزهرة في قلبي، إذا ما سقيته بالحبّ والرعاية؛ فإنّه سيكبر ويزهر ويصبح أجمل بقعة في هذا العالم الفسيح.
ومنذ ذلك اليوم، بدأت "فاطمة" تساعد أصدقاءها وجيرانها في تنظيف أزقة حيّهم وتقليم نباتات حديقته والاعتناء بأشجار ممراته.
كما كانت تُردد دائمًا: حبّ الوطن بالأفعال التي تجعله أكثر جمالًا وإشراقًا، حتى كبُرت "فاطمة"، والوطن في عقلها وقلبها يمثل ذلك البيت الكبير، وكل واحد منّا هو بستاني فيه يزرع الخير وينشر الصلاح.
نعم.. قد تبدو الأوطان "للوهلة الأولى" أنّها مسقط الرأس وَمرتع الطفولة وميدان الصبا وفضاء الشباب ودفء الكهولة ومَجَمَعُ الأخلاّء ومنتدى الأحباب.
فيما هي "في حقيقتها" أحبّ الأشياء إلى النفس التي ترمز إلى الهوية والانتماء، وأقربها إلى الفؤاد الذي يبرز بالعِزَّة والفخر، كما هي الحنين (الفطريّ) الذي يحتضن التاريخ والثقافة والهوية والقيم المجتمعية التي لا تمثل "مجرد - قطعة من الأرض يعيش عليها مجموعة من البشر، بل هي الكيان المستقر والبيئة الآمنة والتراث الثقافي بمجموع عاداته وتقاليده ومبادئه وآدابه وفنونه التي تعكس تاريخ الأمم وتجاربها الحضارات المتوالية عبر العصور، التي صيرّت استمراريتها جسرًا يربط بين الماضي والحاضر والمستقبل وسط بيئات التشجيع على التنمية والازدهار وبناء الأوطان القوية والمزدهرة.
نافلة:
تتحدث كُتُب التاريخ أنّ الصحابي الجليل بلال بن رباح (رض)، قد كُتب له الأجر العظيم عن قربه من سيد الخلق (ص)، وعن الهجرة المباركة من مكة إلى المدينة، إلا أنّه كثيرًا ما كان يشتاق إلى موطن آبائه وأجداده "مكة" التي نشأ بين ربوعها وترعرع في أرجائها طفولةً وصبًا، حيث كانت هي النفس والأهل والبيت والتاريخ والذكريات، بل هي الفطرة المجبولة والقلب النابض والدّم الجاري ولاءً وانتماءً ووفاءً وفداءً.
وما أجود نبلاء القوم وعقلائهم وأتقيائهم حين يسعون برجاحة العقل وحكمة البصيرة على منهاج التّخندق "أي الاحتماء والتحصّن" في مألوف المنشأ ومربض النّجابة الذي لا يجلّ إلا تحت راية بحرين العزّ والفِخار.
وكلّ عامٍ وأنتم بألف خير بمناسبة احتفال مملكة البحرين بأعيادها الوطنية، وعيد جلوس حضرة صاحب الجلالة الملك المعظم حفظه الله ورعاه، وما يصاحبها من مناسبات وطنية.
كاتب وأكاديمي بحريني